التمويل الخاص: من أين جاء هذا النمو الصاروخي؟
التمويل الخاص بين الصعود الصاروخي وإثارة الشكوك والجدل

في أروقة الأسواق المالية العالمية، يتردد صدى تحذيرات متكررة من كبار الفاعلين في القطاع المالي بشأن الصعود السريع والمثير للجدل لأحد أكثر أدوات الاستثمار نمواً في السنوات الأخيرة: التمويل الخاص (Private Credit).
ورغم الإغراءات المرتفعة التي يقدمها هذا القطاع، سواء من حيث العوائد الجذابة أو القدرة على التمويل بعيداً عن أعين البنوك والتنظيمات الرسمية، إلا أن مؤشرات القلق تتصاعد، ويجري استحضار تجارب تاريخية مؤلمة لتفسير هذا القلق. فعلى غرار ما حدث في فترة ما قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008، يبدو أن شهية المؤسسات المالية الكبرى والجهات الاستثمارية للمخاطر آخذة في التزايد، مدفوعة برغبة لا تهدأ في اقتناص فرص الربح قبل أن تتبخر.
القطاع الذي نمت أصوله إلى ما يقارب 2 تريليون دولار عالمياً، أصبح اليوم موضع مقارنة بما جرى في أسواق الرهون العقارية عالية المخاطر (Subprime) قبل نحو عقدين، حينما كانت البدايات مبشرة، لكن النهاية مأساوية. المفارقة أن كبار المصرفيين، بمن فيهم جيمي ديمون، رئيس جي بي مورغان، يُقرون بالمخاطر الكامنة، وفي الوقت نفسه يزيدون انخراط مؤسساتهم في هذا القطاع. التناقض يعكس واقعاً مؤسفاً لطبيعة المنافسة في وول ستريت: طالما أن “الموسيقى لا تزال تُعزف”، فإن الجميع يُجبر على الرقص، حتى وإن كانوا يدركون أن الحفلة قد تنتهي بكارثة.
التمويل الخاص: من أين جاء هذا النمو الصاروخي؟
صعود التمويل الخاص لم يكن صدفة، بل جاء نتيجة لتحولات تنظيمية عميقة أعقبت الأزمة المالية العالمية. بعد فرض قيود صارمة على الإقراض البنكي التقليدي، خصوصاً في ما يتعلق بتمويل المشاريع والمقترضين “الطامحين” أكثر من المؤهلين، نشأت فجوة في السوق. هذه الفجوة سرعان ما جرى ملؤها من قبل صناديق التمويل الخاصة التي وجدت فرصتها الذهبية: مخاطرة أعلى تعني عوائد أعلى. ومع سنوات من السياسة النقدية التيسيرية التي أغرقت الأسواق بالسيولة، وجدت هذه الصناديق قاعدة تمويل ضخمة تدعم نموها.
لكن هذا الصعود لم يأت من فراغ، بل صاحبه سلوك متكرر في الأسواق المالية: تحوُّل فئة من المنتجات المالية إلى “موضة” استثمارية، تفتح شهية المستثمرين الأفراد والمؤسسات على السواء. اليوم، تشير تقديرات إلى أن حوالي 75% من التمويل الخاص يتركز في أمريكا الشمالية، وهي نسبة تعكس مدى تعطش السوق الأمريكية لهذا النوع من الأدوات التمويلية، خصوصاً في ظل التحولات التي طرأت على إدارة المخاطر في المؤسسات المالية الكبرى.
المخاطر النظامية: حين تختبئ القنابل داخل المحافظ
واحدة من أبرز الإشكاليات المرتبطة بالتمويل الخاص تكمن في طبيعته غير الشفافة. فعلى عكس السندات أو القروض البنكية التي تخضع لإفصاحات منتظمة وتصنيفات ائتمانية واضحة، تعتمد صفقات التمويل الخاص على ترتيبات ثنائية، غالباً ما تكون خارج أعين الجهات التنظيمية التقليدية. هذه الطبيعة “الخاصة” تجعل من الصعب على المؤسسات مثل صندوق النقد الدولي أو مجلس الاستقرار المالي تتبع مدى التعرض للمخاطر، مما يزيد من القلق بشأن احتمال وجود مراكز مالية مليئة بالرافعة المالية المخفية.
جيمي ديمون نفسه عبّر عن هذا القلق، مشيراً إلى أنه رأى صفقات جرى تقييمها بأعلى من قيمتها الحقيقية، مقارنة بما كان يحدث مع الأوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية في 2007. وإذا كانت هذه القنابل الموقوتة محصورة حالياً في محافظ المستثمرين المحترفين، فإن توسيع نطاق التمويل الخاص ليشمل صناديق التقاعد والمستثمرين الأفراد قد يكون وصفة جاهزة لكارثة لاحقة.
بين الاحتراف والمضاربة: من يستفيد فعلاً؟
يبرر المدافعون عن التمويل الخاص وجوده من خلال الإشارة إلى قدرته على سد فجوة التمويل التي تسببت فيها قيود البنوك. كما يشيرون إلى استقرار العوائد التي يقدمها، والتي غالباً ما تكون أعلى من أدوات الدين التقليدية. لكن الواقع أن هذه العوائد لا تأتي دون ثمن. ففي كثير من الحالات، تُفرض رسوم إدارية مرتفعة، وتُعتمد استراتيجيات مخاطرة غير تقليدية يصعب على المستثمر العادي تقييمها.
في ظل محاولات “دمقرطة” القطاع، يسعى بعض اللاعبين إلى فتح الباب أمام المستثمرين الأفراد للمشاركة في هذه الصفقات، عبر أدوات مثل الصناديق المشتركة أو المنتجات المهيكلة. إلا أن التاريخ يعج بالأمثلة على منتجات مالية جرى تسويقها كفرصة للمستثمر الصغير، قبل أن يتضح لاحقاً أنها كانت فخاً مغلفاً بعبارات التسويق الجذابة.
دروس التاريخ: هل نُعيد ارتكاب نفس الأخطاء؟
المقارنات بين التمويل الخاص اليوم وأسواق الرهون العقارية في 2007 ليست من باب التهويل. في كلتا الحالتين، كان هناك منتج مالي يتم الترويج له على نطاق واسع، بدعوى أنه يقدم عوائد مرتفعة مع مخاطرة محسوبة. وفي كلتا الحالتين، تسابقت المؤسسات المالية الكبرى على ركوب الموجة قبل أن تنفجر الفقاعة.
ما يزيد من قلق المراقبين أن التاريخ يُظهر أن الإصلاحات الهيكلية في الأسواق لا تحدث إلا بعد فشل كارثي. لم تبدأ البنوك المركزية في تشديد الرقابة على منتجات المشتقات المعقدة إلا بعد الأزمة المالية. ولم تتحرك الحكومات لتقنين الرافعة المالية في أسواق العقارات إلا بعد انهيار مؤسسات بأكملها. فهل ننتظر أزمة تمويل خاص حتى نتعلم من جديد؟
“الديمقراطية المالية” بين الشفافية والمخاطرة
من بين المبررات التي تُطرح لتوسيع التمويل الخاص ليشمل شريحة أكبر من المستثمرين، هو هدف “ديمقراطية الاستثمار”، أي فتح الباب أمام الجميع للاستفادة من أدوات كانت سابقاً حصرية للنخب. لكن هذا الطرح يتطلب تحقيق توازن دقيق: فالديمقراطية لا تعني السماح للجميع بخوض مغامرات مالية معقدة دون أدوات حماية كافية.
بعض المؤسسات، مثل Morningstar، تقترح حلولاً تشمل تحسين الإفصاح، وتوفير ضمانات لدفع العوائد، وتجميع المخاطر لتقليل التذبذب. لكن الواقع أن مثل هذه الآليات لا تزال في طور النقاش، بينما تستمر الصفقات في النمو. وإذا لم يُفرض إطار تنظيمي صارم، فإن “الديمقراطية” قد تصبح ذريعة لتمرير مخاطرات غير مناسبة للمستثمرين الأفراد.
البيت الأبيض والحياد الغائب
من اللافت أن إدارة ترامب، رغم الانخراط العميق في القطاع المالي، لم تُبدِ إشارات واضحة إلى نية تنظيم قطاع التمويل الخاص أو تحجيم مخاطره. بل على العكس، تُشجع البيت الأبيض على فتح السوق أمام المستثمرين الأفراد وصناديق التقاعد، في خطوة يرى البعض أنها تصب في مصلحة المؤسسات الكبرى على حساب الاستقرار الاقتصادي العام.
غياب الحياد الرقابي في هذه المرحلة قد يُفاقم الأزمة المرتقبة، خصوصاً في ظل رغبة الإدارة في تحقيق انتصارات اقتصادية سريعة تُسوقها على أنها دليل على “قوة السوق”. لكن التجربة علمتنا أن الأسواق لا تكافئ التسرع، بل تعاقبه لاحقاً عندما تبدأ الحقائق في الظهور.
الرقص مستمر… ولكن لمن ستتوقف الموسيقى؟
تماماً كما حدث في 2007، تبدو الأسواق اليوم وكأنها ترقص على أنغام التمويل الخاص، غير عابئة بالتحذيرات المتكررة. المنافسة الشرسة، وشهية العوائد المرتفعة، والرغبة في الاستفادة القصوى من السيولة المتاحة، كلها تدفع المستثمرين إلى تجاهل الأعلام الحمراء. لكن من بين كل هذه الأصوات، يبرز تحذير واضح: عندما تتوقف الموسيقى فجأة، سيُترك الكثيرون دون مقاعد. والفرق هذه المرة أن عدد الراقصين أكبر، وأدوات الحماية أقل.