“خطر الجهاديين الأجانب في سوريا.. كيف ورّط أحمد الشرع أمريكا؟”
شرعنة الجماعات المصنفة إرهابية يضع واشنطن أمام مأزق سياسي وأمني

بينما سعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإظهار انفتاحها على النظام الجديد في دمشق بقيادة أحمد الشرع، بدعوى تحقيق الاستقرار ومكافحة الإرهاب، تكشف الوقائع أن الرجل الذي وصفه ترامب بأنه “شاب جذاب وقوي” قد فتح الأبواب أمام اندماج تنظيمات جهادية في هيكل الجيش السوري نفسه. لم تمر سوى أسابيع على اللقاء الذي جمع الشرع بالرئيس الأمريكي في الرياض، حتى بدأت تتوالى المؤشرات على قرارات مقلقة من دمشق، من أبرزها دمج مقاتلي الحزب الإسلامي التركستاني وكتائب أوزبكية وكيرغيزية مرتبطة بتنظيم القاعدة في صفوف الجيش. هذا الانزلاق الخطير نحو “شرعنة” الجماعات المصنفة إرهابية دولياً يضع واشنطن أمام مأزق سياسي وأمني عميق، في وقت تتزايد فيه مؤشرات الفلتان الطائفي والتطرف العابر للحدود.
حفاوة أمريكية سابقة لأوانها
عندما التقى الرئيس ترامب بأحمد الشرع في الرياض، حرص على تصوير اللقاء كاختراق دبلوماسي يعيد ترتيب أوراق الملف السوري. امتدح الشرع علنًا، وأعلن عن تخفيف عقوبات واستئناف قنوات التعاون الأمني. بل أرسل مبعوثه الخاص توماس باراك الذي أثنى على ما وصفه بـ”خطوات جادة” من الشرع لمحاربة الإرهاب. غير أن هذه الحفاوة لم تدم طويلًا، إذ سرعان ما تبين أن الرجل يسلك مسارًا مغايرًا تمامًا.
دمج الجهاديين داخل الجيش السوري
القرار الأخطر تمثّل في دمج ما يصل إلى 3000 مقاتل من الحزب الإسلامي التركستاني (TIP) في الجيش السوري، رغم صلات الحزب الطويلة بتنظيم القاعدة. بل أن الأمر لم يتم في الخفاء، بل بموافقة ضمنية من واشنطن، كما قال باراك. هذا التوجه يكشف عن استغلال الشرع للشرعية الدولية لتوسيع قاعدته العسكرية، حتى ولو تطلّب الأمر التعاون مع عناصر إرهابية.
مبررات “براغماتية” لكن خطرة
يرى بعض المحللين أن دمج المقاتلين الأجانب في الجيش السوري قد يكون خيارًا عمليًا في ظل غياب أي دولة تستقبلهم، لكن هذا الطرح يغفل حقيقة أساسية: ولاء هؤلاء المقاتلين ما زال مرتبطًا بقيادات القاعدة. زعيم الحزب الإسلامي التركستاني عبد الحق التركستاني ما يزال يدير العمليات من أفغانستان، ما يجعل إدماج قواته في الجيش السوري بمثابة تغلغل للقاعدة في المؤسسة العسكرية.
ترقيات عسكرية تثير القلق
في ديسمبر 2024، رُقي عبدالعزيز خدابيردي، زعيم فرع الحزب الإسلامي في سوريا، إلى رتبة عميد. تسريبات صوتية كشفت عن ولائه المطلق لعبد الحق التركستاني، وهو ما يعزز المخاوف من هيمنة العناصر المتطرفة على وحدات حساسة في الجيش السوري. ترقية بهذه الرمزية تعني أكثر من مجرد منصب؛ إنها رسالة واضحة بأن التوجه نحو التطرف أصبح مؤسسيًا.
مخاطر الانقلاب من الداخل
يبرر الشرع هذه السياسات بأنها تحمي النظام من الانقلابات، إذ إن تعيين قادة أجانب يقلّل خطر الانقسامات الداخلية. لكنه يغفل عن أن هؤلاء القادة لا يتبعون له بالكامل، وقد ينقلبون عليه إذا تعارضت توجهاته مع أجنداتهم، خصوصًا فيما يتعلق بتطبيق الشريعة أو التطبيع مع إسرائيل. هنا يكمن الخطر الحقيقي: نظام يُمسك بأفعى الجهاد العالمي بيده.
كتائب القاعدة تتخفى في الجيش
الوحدة الجديدة المسماة “الفرقة 84” تتكون أساسًا من مقاتلين أجانب، أبرزهم من تنظيم “كتائب التوحيد والجهاد” (KTJ)، المصنفة كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة. قائدها، سيف الدين توجيبويف، رُقي إلى رتبة عقيد ثم اختفى عن الأنظار، وأغلق قناته على تلغرام، في محاولة واضحة لمحو أثره الجهادي مؤقتًا، بالتزامن مع محاولة دمشق رفع العقوبات.
تورّط مباشر في مجازر طائفية
في مارس 2025، ارتكبت هذه المجموعات مجازر على الساحل السوري، خصوصًا في أحياء علوية. رغم توجيهات وزارة الداخلية السورية بعدم استهداف المدنيين، وُثقت شهادات تُظهر مشاركة الجهاديين في عمليات قتل ونهب طائفي. وجود هؤلاء في الجيش لا يحد من خطرهم، بل يمنحهم غطاءً رسميًا لمواصلة جرائمهم، ما ينذر بمزيد من النزيف الداخلي.
انهيار السيطرة المركزية
تحاول حكومة الشرع الادعاء بأنها تفرض رقابة على هذه القوات، لكن الواقع يُظهر العكس. الجهاديون الأجانب يتحركون بحرية، وينفذون أجنداتهم دون محاسبة. اللجنة التي شكلها الشرع للتحقيق في مجازر مارس لم تنشر تقريرها بعد، وإذا ما اكتفت بعقوبات شكلية، فإن الرسالة ستكون واضحة: التطرف أصبح جزءًا من “المنظومة الشرعية”.
مخاطر التطبيع في ظل هذا الهيكل
في حال واصل الشرع خطواته نحو التطبيع مع إسرائيل، أو فتح مسارات تفاوض مع واشنطن، فإن وجود وحدات مدججة بالولاء للقاعدة داخل جيشه قد يشكل تهديدًا مباشرًا على أي مسار دبلوماسي. الولاء الخارجي لهذه المجموعات يجعلها أداة تخريب لأي تسوية سياسية مستقبلية، بل واحتمال استخدام الأراضي السورية لانطلاق عمليات إرهابية خارج الحدود.
مطلوب موقف أمريكي حازم
يتوجب على إدارة ترامب – أو أي إدارة قادمة – أن توضح للقيادة السورية أن إدماج عناصر مصنفة إرهابية يشكل “خطًا أحمر”. كما ينبغي فرض عقوبات مباشرة على وحدات مثل الفرقة 84 إذا ما ثبت تورطها في العنف الطائفي أو التآمر مع كيانات متطرفة. الصمت الأمريكي لن يُفهم إلا كضوء أخضر، في وقت تحتاج فيه سوريا والعالم إلى كوابح لا مجاملات.