مرأة ومنوعات

نساء وفطر الهلوسة: بين تجارب الأمومة ومعضلات العلم

هل يمكن لمخدر السيلوسايبين أن يساعد النساء الحوامل في التغلب على اضطراباتهن النفسية؟

سؤال شائك يثير الجدل في الأوساط الطبية، لكنه أصبح محور بحث مجتمعي أطلقته سيدة أمريكية تُدعى ميكيلا دي لا مايكلو، مستلهمة من التقاليد الروحية لدى السكان الأصليين للمكسيك. في غياب الدراسات العلمية المعتمدة، جمعت ميكيلا مئات القصص من أمهات لجأن إلى فطر الهلوسة خلال الحمل والرضاعة، بينما يحذر العلماء من غياب الأدلة وعدم اليقين بمآلات هذه التجارب.

من الإدمان إلى الفطر: بداية رحلة شخصية

حين علمت ميكيلا بأنها حامل قبل ست سنوات، قررت التوقف عن الكحول. لكنها كانت قلقة بشأن كيفية مواجهة الإدمان والرغبة في الشرب، لا سيما بعد سنوات من استخدام الكحول والمخدرات كوسيلة للهروب من صدمات الطفولة والاعتداءات الجنسية التي تعرضت لها.

لكن نقطة التحول جاءت حين اكتشفت تأثير السيلوسايبين — المركب الفعال في فطر الهلوسة — على استقرارها النفسي. بين جلسات كبيرة سنوية وجرعات صغيرة (microdoses)، شعرت ميكيلا بأن الفطر ساعدها على التحرر من سجن الذكريات المؤلمة ومن إدمان الكحول.

طقوس روحية على هامش العلم

عندما لم تجد أي دراسات طبية تجيب على تساؤلاتها بشأن استخدام الفطر خلال الحمل، توجهت إلى مجموعة نسوية من السكان الأصليين في كاليفورنيا، كانت تنظم طقسًا لاستخدام السيلوسايبين تحت إشراف “جدة” من ولاية خاليسكو المكسيكية. المرأة أخبرتها بأن استخدام الأمهات للنباتات المخدّرة تقليد قديم متوارث في ثقافتهن. ميكيلا قررت أن تخوض التجربة.

في إحدى الغابات، جلست قرب نار مخيم وتناولت الفطر، لتدخل في تأمل عميق. وبعد إنجابها طفلًا سليمًا، تساءلت: لماذا لا يُتاح هذا النوع من المعرفة الروحية والدوائية لنساء أخريات يعانين مشكلات نفسية أثناء الحمل؟

بحث من نوع جديد: روايات الأمهات بدلًا من المختبرات

أدركت ميكيلا أن العلوم الغربية لا تشمل تجارب أمثالها. ولذلك، أطلقت مع “دولا” بريطانية تُدعى نعومي تولسون، استبيانًا على الإنترنت، جمع حتى الآن شهادات أكثر من 400 امرأة استخدمن السيلوسايبين أثناء الحمل أو الرضاعة.

رغم أن العينة صغيرة نسبيًا — خاصة أن نتائج الولادات لم تُسجل إلا لدى 14 مشاركة — فإن ميكيلا ترى أن المشروع يفتح بابًا جديدًا لفهم أثر هذا المركب على الأمهات. تشير معظم الشهادات إلى نتائج إيجابية: تراجع الاكتئاب، تعزيز الارتباط العاطفي مع الطفل، والتغلب على بيئات سامة أو علاقات مضطربة.

العلم لا يطمئن.. والجهل لا يُبرر المخاطرة

لكن العلماء لا يشاركون هذا الحماس. فغياب الدراسات السريرية يترك مساحة للشكوك والمخاوف، خاصة أن تجارب الماضي، مثل فضيحة “الثاليدومايد” في خمسينيات القرن الماضي، أسفرت عن آلاف الأطفال المولودين بتشوهات نتيجة دواء مهدئ أُعطي للحاملات دون اختبارات كافية.

الدكتورة أنيتا كلايتون، أستاذة الطب النفسي بجامعة فيرجينيا، تقول صراحة: “إذا لم تتوافر المعلومات، فنحن كعلماء وأطباء نقول إنه غير آمن حتى يُثبت العكس.” وتشير إلى أن الجرعات غير المضبوطة، خاصة في ظل السوق السوداء للمخدرات، تفتح الباب لاحتمالات غير محسوبة على الجنين.

الفجوة البحثية: النساء الحوامل خارج الدراسات

أقل من 10% من الأدوية المعتمدة منذ عام 1980 توفر بيانات كافية حول تأثيرها على الحمل. والسبب؟ تخوّف الباحثين من التبعات الأخلاقية والحقوقية في حال ساءت النتائج.

هذا الفراغ ترك النساء — كما تقول ميكيلا — يخضن تجاربهن في عزلة، مسترشدة فقط بتجارب شخصية وموروثات تقليدية، أو بما تنشره صفحات التواصل الاجتماعي. والنتيجة أن السرديات، لا الإحصاءات، أصبحت المرجع الأول للكثير من الأمهات الباحثات عن بدائل للأدوية النفسية.

الطب البديل.. أم ميل متصاعد نحو التشكيك؟

تقول إحدى المشاركات في الدراسة: “شعرت أن جرعة الفطر أكثر أمانًا من مضادات الذهان.” وتضيف أخرى: “الميكروجرعات ساعدتني على تنظيم جهازي العصبي.”

لكن هذه القناعات، وإن كانت صادقة، لا تُمثل دليلاً علميًا. يحذر باحثون من أن هذه التجارب قد تساهم عن غير قصد في تقويض ثقة الناس بالعلم الحديث، لا سيما في ظل تزايد الخطاب الشعبوي المعادي للعلم واللقاحات.

تراث السكان الأصليين: طب بديل أم معرفة مهمشة؟

الدكتورة ستايسي شيفر، أستاذة الأنثروبولوجيا بجامعة ولاية كاليفورنيا، قضت سنوات مع مجتمع “الويكاريكا” المكسيكي ورافقتهم في رحلاتهم السنوية للبحث عن نبات “البيوتي” المخدّر. تقول إنها شاهدت نساء حوامل يشاركن في الطقوس ويستهلكن المخدر باعتباره مساعدًا على الولادة والرضاعة.

ورغم تحذيرها من استنساخ هذه الممارسات في السياقات الغربية، فإنها تؤمن أن الطب الغربي يمكن أن يتعلم الكثير من هذه المعارف “التي ربما لا تُستخدم بمصطلحاتنا العلمية، لكنها لا تقل قيمة”.

مستقبل مجهول.. وبحث متواصل عن توازن

تدرك ميكيلا أن عملها لن يُعتمد قريبًا في المجلات العلمية، لكنها تعتقد أن السرديات التي جمعتها قد تمهد الطريق لدراسات أكثر شمولًا. فريقها بدأ التعاون مع طالب دكتوراه لإعادة هيكلة الاستبيان وتقديمه كمقترح بحثي خاضع للتحكيم الأكاديمي.

في الوقت نفسه، تقول إنها لا تشجع النساء على تعاطي الفطر، لكنها ترى أن “المعرفة تبدأ بالاستماع”. وبالنسبة لكثير من الأمهات اللواتي يعشن على هامش النظام الطبي التقليدي، فإن الاستماع وحده ربما يكون أول خطوة على طريق الشفاء.

اقرأ ايضا

كيف حافظت أساطير الإغريق والرومان على سحرها في عالم اليوم

منةالله خيري

صحفية مصرية تحت التدريب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى