تقارير التسلح

سباق التفوّق الجوي: الهند وتركيا وكوريا الجنوبية تتنافس على ريادة الجيل الخامس من المقاتلات

مقاتلات السيادة: الهند وتركيا وكوريا تتنافس على رسم مستقبل التفوق الجوي

في حقبة تتزايد فيها التحديات الجيوسياسية وتتصاعد وتيرة سباق التسلّح في آسيا، تتسابق ثلاث قوى إقليمية صاعدة — الهند وتركيا وكوريا الجنوبية — نحو إنتاج مقاتلات من الجيل الخامس بطابع وطني يحقق لها السيادة الجوية ويُقلّص من اعتمادها على الموردين الكبار، خصوصاً الولايات المتحدة وروسيا. وسط هذا المشهد المتشابك، تبرز ثلاث منصات طموحة: “AMCA” الهندية، “KAAN” التركية، و”KF-21 Boramae” الكورية، كرموز للمكانة الوطنية ومفاتيح للهيمنة في الحروب المستقبلية.

 

هذا السباق التقني لم يعد محصورًا في مجرد منافسة عسكرية، بل أصبح رهانًا على السيادة التكنولوجية، والاستقلال الاستراتيجي، وإعادة تشكيل توازنات القوة في مناطق مضطربة مثل جنوب آسيا، الشرق الأوسط، وشبه الجزيرة الكورية.

 

المقاتلة التركية KAAN: طموح يتكئ على الحلفاء

تُعد “كاان” مشروع تركيا الأكثر طموحًا في تاريخ صناعاتها الدفاعية. وهي مقاتلة متعددة المهام من الجيل الخامس، ثنائية المحرك، مصممة لاستبدال أسطول الـF-16 القديم في سلاح الجو التركي. وقد استفادت تركيا من شراكات قوية مع شركات دولية مثل BAE Systems، كما أدمجت شركات وطنية متقدمة مثل أسيلسان وتوبيتاك لدعم أنظمة الرادار، الحرب الإلكترونية، والهيكل المركب.

المقاتلة التركية KAAN

أجرت النسخة الأولى من الطائرة رحلتها التجريبية في فبراير 2024، في حين يُتوقع أن تبدأ النسخ الإنتاجية الأولى بالظهور بين عامي 2026 و2027. كما تخطط أنقرة لإنتاج المحرك المحلي TEI-TF35000 بعد 2030، سعيًا للاستقلال الكامل عن المحركات الغربية.

 

ويبدو أن تركيا لا تنظر إلى “كاان” كمجرد طائرة حربية، بل كبوابة دبلوماسية أيضًا. فقد جذبت دولًا مثل أذربيجان، مصر، وإندونيسيا إلى المشروع، وسط اهتمام كبير من السعودية والإمارات وباكستان. وهناك نوايا واضحة لإنشاء خطوط إنتاج مشتركة، بما يعزز موقع تركيا كمصدر تكنولوجي مؤثر في العالم الإسلامي.

 

رغم هذا، لا تزال “كاان” تعتمد بشكل كبير على تقنيات غربية، خصوصًا في المرحلة الأولى من الإنتاج، مما قد يعرقل اكتسابها لطابع السيادة التقنية الكاملة على المدى القصير.

 

KF-21 Boramae: طموح كوري بثوب صناعي منهجي

على الجانب الآخر من آسيا، تطور كوريا الجنوبية مقاتلتها “KF-21 بورامي”، وهي مشروع وطني يقوده القطاع الصناعي بالتعاون مع شركاء دوليين. يتميّز المشروع بتخطيط صارم وإدارة منهجية، حيث تم تصميم النموذج الأولي عام 2021، وأجريت أولى الرحلات التجريبية في 2022، على أن تبدأ عملية الإنتاج الفعلي في 2026.

 

تسعى كوريا إلى تصنيع 120 طائرة بحلول عام 2032، لتشكّل العمود الفقري للقوة الجوية الكورية. رغم أن الإصدار الأول (Block I) يصنّف كمقاتلة من الجيل 4.5+، إلا أن الإصدارات اللاحقة (Block III وEX) ستتضمن قدرات شبحية متقدمة وأسلحة داخلية وأنظمة قيادة لمهام بشرية وغير بشرية مشتركة (MUM-T)، لتقترب من مفهوم الجيل السادس.

كوريا تطور KF-21 بورامي بإنتاج يبدأ في 2026 بعد اختبارات ناجحة ونموذج أولي عام 2021

 

ورغم القيود الأمريكية التي منعت نقل تقنيات حيوية مثل الرادار AESA وأنظمة التهديف الحرارية، نجحت كوريا في تطوير هذه المكونات محليًا عبر شراكات مع شركات مثل Hanwha Systems، Leonardo، وLIG Nex1. ويُعد مشروع KF-21 نموذجًا ناجحًا للشراكة الصناعية والدبلوماسية، خصوصًا في ظل مشاركة إندونيسيا والتعاون التقني مع دول كالفلبين وبيرو.

 

ومع ذلك، فإن الاعتماد على محرك General Electric F414 حتى الآن يجعل المشروع عرضة للتأثر بالتقلبات السياسية مع الولايات المتحدة، وهو ما تسعى كوريا لتجاوزه عبر تطوير محرك محلي.

 

AMCA الهندية: التحدي الأكبر والأمل الأعمق

تبدو الهند في موقع أكثر تعقيدًا، فهي تتعامل مع فجوة متزايدة في قدرتها الجوية، إذ تراجع عدد أسراب الطيران من 42 إلى 29، مع تقادم أسطول طائرات الميج 21 والسوخوي. أمام هذا التحدي، وضعت الحكومة مشروع AMCA على رأس أولوياتها، باعتباره حلًا استراتيجيًا لتقليل الاعتماد على الغرب والشرق معًا.

 

يُعد برنامج AMCA مشروعًا طموحًا يتم تنفيذه تحت إشراف وكالة تطوير الطيران الهندية (ADA)، ويهدف إلى تصنيع طائرة متعددة المهام، شبحية، ثنائية المحرك، تعمل بسرعة فوق صوتية دون الحاجة إلى الحارق اللاحق (supercruise)، وتتميز بمقطع راداري منخفض.

AMCA مشروع هندي لمقاتلة شبحية متقدمة بسرعات فوق صوتية ومقطع راداري منخفض

تخطط الهند لإنتاج 120 مقاتلة من AMCA على مرحلتين: 40 من طراز Mk1 بنصف قدرات الشبح، و80 من طراز Mk2 الشبح الكامل. وقد تم الكشف عن النموذج الهندسي للطائرة في معرض Aero India 2025، على أن يتم إنتاج أول نموذج أولي في 2028-2029، والطيران الأول في 2029، والدخول الفعلي للخدمة في 2034.

 

نقطة التمايز الأساسية لمشروع AMCA تكمن في تركيزه على الصناعة الوطنية. تسعى الحكومة لاعتماد نموذج شراكة صناعية، حيث سيتم اختيار شركة خاصة لقيادة تطوير الطائرة، مما يعكس تحولًا استراتيجيًا في سياسة الصناعات الدفاعية. وقد تم إطلاق مناقصة في يونيو 2025 لاختيار الشريك الصناعي المحلي لتطوير النموذج الأولي واختبار الطيران والاعتماد.

 

لكن المشروع لا يخلو من التحديات، أبرزها: التمويل الباهظ، بطء القرار الحكومي، وتأخر تطوير المحرك المحلي. وقد واجه المشروع عراقيل بسبب تأخر الموافقات الأمريكية لتصنيع المحركات على الأراضي الهندية، مما يعيد مسألة التبعية التقنية إلى الواجهة، وإن بشكل مختلف.

 

تقييم المقارنة: من يتصدر السباق؟

بين المشاريع الثلاثة، يبدو أن KF-21 يتقدم على مستوى الالتزام بالجدول الزمني، إذ وصلت نسخته الأولى إلى مرحلة الطيران التجريبي، وهناك خطط إنتاج واضحة حتى 2032، مع تصاميم متطورة قيد التطوير.

 

أما Kaan، فرغم الطموح السياسي والإقليمي الكبير، لا تزال في مراحلها الأولية، وتعتمد على مزيج من التقنيات الأجنبية والمحلية، مع آفاق تصدير واسعة.

 

بينما تقف AMCA كمشروع استراتيجي وطني يحتاج إلى تسريع وتيرة التنفيذ ومزيد من الإرادة السياسية والصناعية، ولكنه يحمل وعدًا بالسيادة التقنية الكاملة على المدى البعيد.

اقرأ أيضاً

ترامب يستعد لإعلان مرتقب في البيت الأبيض وسط توقعات بفرض رسوم جمركية جديدة

 تفوّق استراتيجي أم سيادة صناعية؟

السباق بين هذه الدول الثلاث لا يدور فقط حول من يملك الطائرة الأقوى، بل من يملك قرار الحرب والسلام دون الحاجة لموافقة تكنولوجية خارجية. تمثل AMCA رمزًا لاستقلال الهند في مواجهة التحديات الصينية والباكستانية. وتسعى تركيا لتأكيد مكانتها كقوة عسكرية – تكنولوجية في العالم الإسلامي. فيما تهدف كوريا الجنوبية إلى تعزيز تفوقها الصناعي وتحقيق توازن ضد التهديدات الإقليمية.

 

قد تُحلّق “كاان” أولًا، وتهبط “بورامي” على مدرجات الحلفاء، ولكن “AMCA” قد تكون الطائرة التي ترسم ملامح السيادة الجوية في العقود القادمة، إذا ما أُنجزت وفق رؤية شاملة وإرادة وطنية متماسكة.

رحمة حسين

رحمة حسين صحفية ومترجمة لغة فرنسية، تخرجت في كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية وآدابها بجامعة عين شمس. تعمل في مجال الصحافة الثقافية والاجتماعية، إلى جانب عملها في الترجمة من الفرنسية إلى العربية. تهتم بقضايا حقوق الإنسان وحقوق المرأة، ولها كتابات مؤثرة في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى