بين الخوارزميات والاقبية: كيف تتحول مكالمات الفلسطينيين الي ادوات قمع عبر سحابة ميكروسوفت
مخاطر التجسس الرقمي: كيف تُستخدم التكنولوجيا لمراقبة الفلسطينيين

وسط صمت دولي متواطئ ومخاوف حقوقية متزايدة، تكشف صحيفة “الجارديان” البريطانية بالتعاون مع +972 Magazine وLocal Call عن مشروع تجسسي غير مسبوق: شراكة أمنية بين وحدة 8200 التابعة للجيش الإسرائيلي وشركة “مايكروسوفت” الأمريكية، تهدف إلى تخزين ملايين المكالمات الهاتفية للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة على خوادم سحابية في أوروبا. في منتصف هذا التحقيق المذهل، يكشف تقرير “الجارديان” في 6 أغسطس 2025 عن الأبعاد الأخلاقية والتقنية والقانونية لما بات يوصف بأنه “الثورة الرقمية الصامتة في التجسس العسكري”، حيث لم تعد الرقابة تقتصر على تتبع الأهداف، بل تحوّلت إلى آلية “لمراقبة الجميع، في كل وقت”.
تحوّل التجسس من استثناء إلى قاعدة
منذ سنوات، كانت إسرائيل تعتمد في مراقبة الفلسطينيين على تقنيات موجهة تركز على أهداف محددة ضمن منظومة أمنية تُخضع الاتصالات لرقابة جزئية. لكن منذ تسلّم يوسي سارييل قيادة وحدة 8200 عام 2021، تغيّرت العقيدة الأمنية بالكامل. لم يعد الاستخباراتيون ينتظرون أدلة على التهديد، بل سعوا لالتقاط كل همسة وكل مكالمة، في مشروع حمل داخليًا شعارًا صادمًا: “مليون مكالمة في الساعة”. وتحت هذا العنوان، جرى تطوير نظام تخزين وتحليل ضخم يعتمد على خوادم مايكروسوفت السحابية في هولندا وإيرلندا، ما جعل من الفلسطينيين مجتمعًا مكشوفًا رقميًا بالكامل.
يمتلك الجيش الإسرائيلي سيطرة مباشرة على شبكات الاتصالات في الضفة الغربية وقطاع غزة، ما يتيح له التقاط المكالمات في الزمن الحقيقي. لكن التحدي كان في التخزين والمعالجة. وهنا دخلت “مايكروسوفت” على الخط، بعد لقاء جمع سارييل بمديرها التنفيذي ساتيا ناديلا في مقر الشركة بواشنطن أواخر 2021. وعلى الرغم من إنكار الشركة لاحقًا معرفتها بتفاصيل البيانات، تكشف الوثائق المسرّبة أن مهندسي مايكروسوفت عملوا يوميًا مع ضباط الوحدة لإنشاء منظومة سرية محصنة تحفظ البيانات الصوتية ضمن طبقات أمان غير مسبوقة. هكذا، انتقل التجسس من غرف محصورة إلى فضاء سحابي عملاق.
التكنولوجيا كأداة في يد القمع
ما يثير القلق ليس فقط تخزين المكالمات، بل استخدام البيانات المخزّنة كأدلة لاحقة للاعتقال أو حتى لتبرير عمليات اغتيال. بحسب مصادر من وحدة 8200 تحدثت للغارديان، فإن النظام يُستخدم لتحليل المكالمات السابقة للأشخاص الذين يصبحون لاحقًا “محل اهتمام”، حتى لو لم يكونوا كذلك عند تسجيل المكالمة. يمكن للضباط العودة شهرًا أو أكثر للوراء، والتقاط محادثات خاصة وتوظيفها في مذكرات اعتقال، أو استخدامها كأدلة لابتزاز أفراد أو تصفيتهم، في غياب كامل للرقابة القضائية أو الأخلاقية.
الضحية الأولى: الخصوصية الجماعية
في قلب هذا المشروع يكمن تجريد جماعي للفلسطينيين من حقهم الأساسي في الخصوصية. فبعيدًا عن استهداف مشبوهين أو مطلوبين، أصبحت كل مكالمة تُسجَّل وتُخزَّن بشكل تلقائي، مع إمكانية تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي عليها لتحديد “التهديدات المحتملة” بناءً على كلمات مثل “سلاح” أو “أريد أن أموت”. أحد الأنظمة، المعروف باسم “الرسائل المزعجة”، يقوم بتحليل النصوص بين الفلسطينيين وتصنيفها على مقياس للخطورة. النتيجة: مجتمع يُعامل بالكامل كخطر أمني محتمل، دون أي تهمة أو محاكمة.
شركة أمريكية على مفترق الأخلاق
“مايكروسوفت” تصرّ على أنها لم تكن على علم بطبيعة البيانات المخزنة، وتؤكد أن تعاونها يهدف لتعزيز الأمن السيبراني. لكنها في الوقت ذاته، حسب الملفات المسرّبة، وفّرت دعمًا لوجستيًا وفنيًا واسعًا، واعتبرت المشروع “فرصة تجارية واعدة”. تزايدت الضغوط مؤخرًا على الشركة من موظفيها ومساهميها، مع تصاعد الاحتجاجات التي تتهمها بالتواطؤ في جرائم حرب. وفي مايو الماضي، قاطع أحد موظفيها خطابًا علنيًا لناديلا، مطالبًا بوقف استخدام Azure في دعم الحرب على غزة، قائلاً: “جرائم الحرب تُدار عبر Azure”.
أثر الحرب على النظام وازدياد الاعتماد عليه
في سياق الحرب المدمرة على غزة التي أدت إلى مقتل أكثر من 60 ألف فلسطيني، بينهم آلاف الأطفال، ازداد اعتماد وحدة 8200 على هذا النظام السحابي. رغم تدمير إسرائيل للبنية التحتية للاتصالات في القطاع، ما تزال المعلومات المخزنة تُستخدم لاستهداف من يُشتبه في تورطهم، أو في محاولة فهم أنماط الحياة اليومية في المناطق السكنية المكتظة. وفقًا لأحد المصادر: “كلما طال أمد الحرب، ازداد إيمان الضباط بأهمية هذا النظام… لأننا نتجه نحو سيطرة طويلة المدى على غزة”.
من بيانات الناس إلى أدوات الحرب
تكشف هذه القضية المقلقة عن حدود جديدة لتكنولوجيا السحابة والذكاء الاصطناعي حين تقع في أيدي سلطات عسكرية. فالملايين من مكالمات الفلسطينيين، بما في ذلك مكالمات شخصية تمامًا، تُخزن وتُراجع ويُعاد استخدامها كسلاح. يُحرم الأفراد من أبسط حقوقهم القانونية، وتُحول شركات التقنية الكبرى إلى مقاولين في منظومة الرقابة. وإذا لم يتم وضع حد واضح، فقد تصبح كل بنية حياتنا الحديثة — من الاتصالات إلى الحسابات البنكية — سلاحًا موجهًا ضدنا، باسم “الأمن”.