بلاك سابث تُنهي مسيرتها بحفل أسطوري في مسقط رأسها برمنغهام الخالدة
لحظات مؤثرة في حفل وداع بلاك سابث الأسطوري ببرمنغهام المحبة

في ملعب فيلا بارك بمدينة برمنغهام، حيث ولدت أولى نغمات الهيفي ميتال قبل أكثر من نصف قرن، أسدل الستار أخيرًا على مسيرة فرقة “بلاك سابث”. أمام 40 ألف متفرج وقرابة 6 ملايين مشاهد عبر البث الحي، ارتفعت أصوات الغيتارات وتراقصت الدموع مع الأنغام الأخيرة، في حفل كان أقرب إلى “لايف إيد” خاص بعشاق الميتال، يجمع رموز موسيقى الروك في توديع جماعي للأيقونات الأربعة.
برمنغهام تتشح بالسواد وتمنح أبناءها الحرية

لم يكن الوداع مجرد حفل موسيقي، بل مهرجانًا ثقافيًا امتد على المدينة بأكملها. من إعادة تسمية الجسور وتخصيص مقاعد تكريمية، إلى عرض باليه مستوحى من موسيقاهم، بدا وكأن برمنغهام تقول لبلاك سابث: “أنتم لستم فرقة، بل هوية”. وفي ذروة التقدير، مُنح الأعضاء الأربعة حرية المدينة، في اعتراف رسمي بدورهم في تعريف “المدينة السوداء” كعاصمة الميتال.
عودة “بيل وارد” تمنح الإيقاع روحًا

بعودة بيل وارد، مؤسس الفرقة الغائب منذ سنوات، استعادت سابث توازنها الموسيقي الدقيق. رقصاته الإيقاعية المميزة أضفت على العرض بُعدًا من الحنين، عجز أي درامر بديل عن تقديمه سابقًا. أما عازف الغيتار توني أيومي، فاستمر في عزف تلك النغمات الجهنمية التي تزلزل الأرض، رغم فقدانه بعض أصابعه منذ شبابه، مستخدمًا أطرافًا صناعية لم تمنعه يومًا من خلق أسطورة.
أوزي أوزبورن… شيخ الهيفي ميتال يلوح للوداع

جلس أوزي على عرشه الأسود، ثابتًا في مكانه، بينما صوته المتأرجح بين الحزن والهيبة ألهب مشاعر الجماهير. بدا أحيانًا منهكًا، ضائعًا وسط اللحن، لكنه ما لبث أن استعاد حضوره الجبّار مع “Crazy Train”، وكأن الروح عادت إليه من رحم الغناء. ترددت الدموع في أعين الحاضرين مع “Coming Home”، لتصبح لحظة جماعية من العاطفة والتاريخ.
منصة تعج بالأساطير: من متاليكا إلى ستيفن تايلر
الحدث لم يكن فقط لتكريم سابث، بل كان استعراضًا نادرًا لأكبر نجوم الميتال والروك: متاليكا، سلاير، غنز إن روزز، تول، وحتى ستيفن تايلر من إيروسميث. قدم الجميع تحية موسيقية عبر أغنيات سابث الخالدة. العزف كان دقيقًا، الصوت هائلًا، والاحترام حاضرًا، لكن أحدًا لم يضاهِ تلك “القوة السحقية” التي تملكها الفرقة الأم.
مشاهد جنونية وأداء حيّ مذهل… ولكن بطعم مر
رغم الأجواء الحماسية، لم يخلُ الحدث من بعض الانتقادات: قِصر المدة الزمنية للفرق، الزحام الشديد، التنظيم المضغوط، وأداء بعض الفرق الذي لم يرتقِ لمستوى المناسبة. شخصية جايسون موموا كمقدم كانت عبثية أحيانًا، بينما لم تُمنح بعض الفرق المحلية مثل Judas Priest فرصة للمشاركة لأسباب خلافية، رغم أصولها البريمية.
تعدد الأجيال والأساليب… لكنها تصب في نهر واحد
وجود مغنيين من أجيال شابة كـYungblud، وأخرى من عصور الهارد روك مثل سامي هاغر، خلق تباينًا فنيًا منح الحفل طابعًا كرنفاليًا. كل فنان أضاف لمسته الخاصة على إرث سابث، حتى لو غابت اللحمة أحيانًا. كانت لحظة موسيقية تتحدى الزمن، حيث اجتمع من وُلدوا في السبعينيات مع من لم يعرفوا غير بث Spotify، على حب أربعة رجال غيروا مجرى الموسيقى.
“ساوندتراك” للهوية السوداء: الموسيقى كمرآة للمدينة
اختتام الحفل بعزف “جيزر باتلر” على غيتار مطلي بألوان أستون فيلا، مع شعار الفريق، لم يكن مجرد تفصيلة عابرة. بل هو تذكير بأن سابث ليست فقط فرقة، بل صوت الطبقة العاملة، رائحة المصانع، وحكاية برمنغهام مع الألم والتمرد. الموسيقى هنا لا تتزين، بل تقاوم وتنزف.
الوداع… لكنه ليس النهاية
رغم أن أوزي لن يصعد مجددًا، وربما لن نسمع صوت “Iron Man” حيًا بعد الآن، فإن ما بُني في قاعات برمنغهام، وسُجِّل على أشرطة الكاسيت، وعاش في قلوب الملايين، لن ينطفئ. بلاك سابث لم تغب، بل انتقلت إلى الخلود، حيث يجلس عظماء الموسيقى منتظرين أن يُقرع أول وتر من أغنية “Paranoid” لتشتعل السماوات من جديد.