هل يدفع ترامب جنوب شرق آسيا نحو أحضان الصين؟

خلال زيارته الأولى إلى آسيا في ولايته الثانية، حظي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستقبال فخم في كوالالمبور، حيث وقّعت الولايات المتحدة سلسلة من اتفاقيات تجارية ومعدنية مع دول رابطة آسيان (ASEAN) التي تضم 11 دولة.
ورغم الأجواء الاحتفالية، فإن العلاقات الأمريكية – الآسيوية تمر بأصعب مراحلها منذ عقود، مع تزايد الرسوم الجمركية وتراجع المساعدات الأمريكية، ما يدفع العديد من العواصم الإقليمية نحو التقارب مع بكين.
المنطقة في مفترق طرق
يضم تجمع آسيان نحو 680 مليون نسمة ويُتوقع أن يصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم بحلول 2030.
لكن فرض ترامب تعريفات جمركية تجاوزت 40% على منتجات فيتنام وكمبوديا وماليزيا أصاب الاقتصادات الآسيوية بالشلل المؤقت، ودفع بعضها إلى إعادة النظر في اعتمادها على السوق الأمريكية.
وفي المقابل، تتحرك الصين بسرعة لملء الفراغ، مستفيدة من ضعف الثقة في التزام واشنطن بشراكاتها.
قال رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ:
“لا شك أن الرسوم الأمريكية أثرت على مكانة الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا.”

الصين تقتنص اللحظة
في أبريل الماضي، زار الرئيس الصيني شي جينبينغ كلًا من فيتنام وماليزيا وكمبوديا، داعيًا إلى “التعاون ورفض الحمائية”، في تناقض صارخ مع سياسة ترامب التجارية.
منذ 2009، تُعد الصين الشريك التجاري الأول لآسيان، كما أصبحت الممول الرئيسي للبنية التحتية عبر مبادرة الحزام والطريق، مستثمرةً بقوة في المعادن النادرة والبطاريات الكهربائية.
تسعى بكين لتقديم نفسها كـ”قوة مسؤولة” في المنطقة، مستفيدة من الانسحاب الأمريكي من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ (TPP) عام 2017 — القرار الذي وصفه محللون بأنه نقطة التحول في تراجع النفوذ الأمريكي.
واشنطن تفقد أدواتها الناعمة
إضافة إلى الرسوم، قررت إدارة ترامب خفض تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) التي كانت تضخ أكثر من 837 مليون دولار سنويًا في مشاريع مكافحة الأمراض والألغام والهجرة غير الشرعية في دول آسيان.
تقول سوزانا باتون من معهد Lowy الأسترالي:
“هذه الخطوة تقوض القوة الناعمة الأمريكية وتمنح الصين مساحة لتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي.”
الدبلوماسية على طريقة ترامب
يحاول ترامب تعويض الانكماش الاقتصادي بالدبلوماسية “الصفقية”، إذ توسط مؤخرًا في وقف إطلاق النار بين تايلاند وكمبوديا، ما أكسبه ترشيحًا رمزيًا لـ”جائزة نوبل للسلام” من بنوم بنه.
لكن هذه السياسة لا تُخفي تراجع الثقة بين واشنطن وشركائها.
ترشيح ترامب لمندوبين مثيرين للجدل — مثل الطبيب الرياضي أنجاني سينها سفيرًا لدى سنغافورة، والمعلق المحافظ نيك آدامز سفيرًا في ماليزيا — أثار استياءً واسعًا، خاصةً في الدول ذات الأغلبية المسلمة بسبب مواقفه المؤيدة لإسرائيل.
تراجع الدور الأمريكي التاريخي
منذ تأسيس آسيان عام 1967، كانت الرابطة حائط صد ضد النفوذ الشيوعي، وحافظت على شراكة وثيقة مع واشنطن، خاصة في عهد باراك أوباما الذي جعل “التحول نحو آسيا” ركيزة لسياسته الخارجية.
لكن خلال العقد الأخير، تضاءل الحضور الأمريكي الرئاسي في قمم آسيان، مما عزز انطباعًا بأن الولايات المتحدة لم تعد ترى في المنطقة أولوية استراتيجية.
العلاقات التجارية: أرقام تكشف المفارقة
الولايات المتحدة لا تزال أكبر مستثمر أجنبي في آسيان بحجم استثمارات بلغ 74.4 مليار دولار عام 2023، أي نحو ثلث التدفقات الإجمالية.
في المقابل، بلغت استثمارات الصين نحو 17.5 مليار دولار فقط، لكنها تركزت في القطاعات الاستراتيجية كالمعادن والطاقة والبنية التحتية.
أكثر من 6,000 شركة أمريكية تعمل حاليًا في المنطقة، تدعم نحو 625 ألف وظيفة أمريكية.
رغم ذلك، يخشى اقتصاديون أن تؤدي السياسات الحمائية الجديدة إلى تفكيك هذه الروابط تدريجيًا.

الرد الآسيوي: تنويع الشركاء
تسعى دول آسيان الآن إلى توقيع اتفاقيات تجارة حرة جديدة مع أطراف أخرى — مثل الاتحاد الأوروبي، نيوزيلندا، والإمارات — بينما انضمت إندونيسيا إلى تكتل بريكس وبدأت محادثات مع ميركوسور ومجلس التعاون الخليجي.
تقول كشور محبوباني، الدبلوماسية السنغافورية السابقة:
“آسيان تتقن فن المرونة. فهي تعرف كيف تنحني للعواصف دون أن تنكسر.”
خلاصة المشهد
سياسات ترامب التجارية وقطع المساعدات تدفع جنوب شرق آسيا تدريجيًا نحو الصين، حتى لو لم يكن ذلك عن قصد.
وفي حين يسعى ترامب لتقوية صورته كـ”رئيس للسلام”، يبدو أن الصين تكسب معركة النفوذ الاقتصادي والسياسي بهدوء ودون ضجيج.



