شتاء أوكرانيا الأخطر: ضغوط التمويل والجبهة والطاقة تهدد صمود كييف

تستعد أوكرانيا لدخول أصعب شتاء منذ بداية الغزو الروسي قبل نحو أربع سنوات، في لحظة تبدو أكثر هشاشة مقارنة ببدايات الحرب حين تمكنت المقاومة الأوكرانية، بدعم غربي وتسليح نوعي وأخطاء روسية قاتلة، من وقف تقدم موسكو على أبواب كييف. أما اليوم، فيقف البلد أمام مزيج معقّد من أزمات مالية وعسكرية وطاقوية، يهدد كل منها قدرة الدولة على الصمود خلال الأشهر المقبلة. فمع تقلص المساعدات الغربية وتعثر التمويل الأوروبي، تتجه خزينة كييف نحو أزمة قد تعصف بقدرتها على إدارة الجبهة والاقتصاد. وعلى الأرض، تتصاعد الضغوط الروسية على مدن استراتيجية في الشرق وسط نقص كبير في الأفراد. وفي الخلفية، تتعرض البنية التحتية للطاقة لهجمات مكثفة قد تُغرق البلاد في العتمة والبرد. ما يجعل هذا الشتاء اختبارًا سياسيًا وعسكريًا وإنسانيًا لمدى التزام الغرب بدعم أوكرانيا واستمرار قدرتها على المقاومة.
أزمة تمويل تُهدد بوقف القدرة على القتال
مع اقتراب نهاية عام 2025، تبدو الحكومة الأوكرانية على حافة أزمة مالية خطيرة بعد توقف المساعدات الأمريكية بوصول إدارة الرئيس دونالد ترامب، في وقت تعرقل فيه بلجيكا خطة أوروبية للاقتراض بضمان الأصول الروسية المجمّدة بقيمة 140 مليار يورو. ويزيد الموقف تعقيدًا معارضة رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو للخطة، ما يجعل بروكسل عاجزة عن سدّ الفجوة التمويلية دون موافقة جماعية.
وتتفاقم الضغوط أيضًا بفعل قضايا فساد متلاحقة في كييف، آخرها فرار رجل أعمال مقرب من الرئيس زيلينسكي ومتهم بالتلاعب في السيطرة على شركات حيوية مثل “إنرغوأتوم”. ويرى مسؤولون أوروبيون أن هذه الفضائح تأتي في “أسوأ توقيت ممكن”، إذ تمنح المشككين في العواصم الغربية مبررًا إضافيًا للضغط نحو تقليص الدعم أو ربطه بإصلاحات قاسية، ما يهدد قدرة كييف على تمويل الدولة والجيش في ظل الحرب.
جبهة الشرق… تهديد مباشر بسقوط بوكرُفسك
على الجبهة العسكرية، تواجه أوكرانيا تصعيدًا روسيًا مكثفًا يتركز على مدينة بوكرُفسك، التي تُعد واحدة من أهم العقد اللوجستية في شرق البلاد. وبعد عام كامل من القتال، باتت المدينة مهددة بالسقوط، في تطور قد يسمح للقوات الروسية بتوسيع سيطرتها في دونيتسك والاقتراب من مدينتي سلافيانسك وكراماتورسك، وهما مركزان رئيسيان في الدفاع الأوكراني شرقًا. وفي كييف، تثار أسئلة حادة حول أداء القيادة العسكرية، خصوصًا بعد اتهامات للجيش بأنه انخدع بتحركات روسية مضللة في دوبروبيليا بينما كانت موسكو تجهّز لاختراق في بوكرُفسك. ويضاعف الموقف خطورته النقص الكبير في الأفراد، إذ تتمتع روسيا بتفوق عددي يصل إلى عشرة مقاتلين مقابل كل جندي أوكراني في بعض المحاور، وهو خلل صعب التعويض في معارك الشوارع والقتال طويل الأمد.
حرب الطاقة… ضربات تُطفئ البلاد قبل العاصفة
تدخل أوكرانيا هذا الشتاء ببنية تحتية للطاقة أعنف استهدافًا من أي وقت مضى، إذ توسعت روسيا في ضرباتها لتشمل منشآت الغاز إلى جانب الكهرباء، وهو تطور بالغ الخطورة نظرًا لاعتماد نحو 60% من الأوكرانيين على الغاز للتدفئة. وتشير تقارير من أوائل أكتوبر إلى أن الهجمات عطّلت 60% من إنتاج الغاز المحلي في بولتافا وخاركيف قبل أن تستعيد السلطات نصفه فقط، فيما تواصلت الضربات بوتيرة سريعة على منشآت في سومي وتشيرنيهيف وخاركيف. وأسفرت موجة قصف حديثة عن انقطاعات واسعة للكهرباء والتدفئة في مناطق يسكنها ملايين الأشخاص، وسط ضعف واضح في الدفاعات الجوية. وتؤكد وزيرة الطاقة السابقة أولغا بوغوسلافيتس أن “هذا الشتاء سيكون الأصعب بلا مقارنة”، في إشارة إلى حجم التهديد الذي تمثله الهجمات على قدرة الدولة على إبقاء مرافقها الحيوية قيد التشغيل خلال الأسابيع الباردة.
مخاوف من فرض “سلام ضعيف” على كييف
تتزايد المخاوف في الأوساط السياسية الأوكرانية والغربية من أن يؤدي شتاء قاسٍ بلا تمويل كافٍ، وبجبهة منهكة، وبشبكات طاقة مدمرة، إلى دفع كييف نحو قبول اتفاق سلام تفرضه موسكو بشروط غير متوازنة، يرسّخ مكاسب روسيا الإقليمية ويجمّد النزاع في حالة أمر واقع. ويرى محللون أن قدرة أوكرانيا على رفض مثل هذا الاتفاق ستعتمد على مستوى الدعم الغربي خلال الأشهر القليلة المقبلة، خصوصًا مع إشارة بروكسل إلى أن أي مساعدات ضخمة جديدة ستكون مشروطة بإصلاحات صارمة ومكافحة الفساد. وبرغم ذلك، تواصل كييف التأكيد أن الغرب لن يسمح بانهيارها لأنها “أكبر من أن تترك لتسقط”، لكن الواقع الميداني والاقتصادي يشير إلى أن نافذة الصمود باتت أضيق من أي وقت مضى، وأن قرار العواصم الغربية قد يكون العامل الحاسم في مسار الحرب.
شتاء يحدد مستقبل الحرب ومسار أوكرانيا
يدخل الأوكرانيون هذا الشتاء في لحظة حاسمة تتقاطع فيها الأزمات المالية والعسكرية والطاقوية بصورة تجعل الأسابيع المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على الصمود واستمرار الدعم الغربي. فمع تراجع الموارد وتكثيف الهجمات الروسية واهتزاز شبكات الطاقة، تبدو كييف أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، خصوصًا أن أي تراجع في مستوى المساندة الأوروبية أو الأمريكية قد يفتح الباب أمام اتفاق غير متوازن تفرضه موسكو بوصفه مخرجًا للأزمة. وفي المقابل، يعوّل المسؤولون على أن إدراك العواصم الغربية لخطورة اللحظة سيدفعها إلى تحرك أسرع وأكثر حسمًا، لأن نتائج هذا الشتاء لن ترسم فقط حدود الصمود الأوكراني، بل ستحدد شكل التوازنات في القارة الأوروبية لسنوات مقبلة.



