تطهير شي جين بينغ لصفوف الجيش يثير شكوكًا حول جاهزية الصين للحرب – بحسب فايننشال تايمز
تعيش المؤسسة العسكرية في الصين واحدة من أكثر فتراتها اضطرابًا منذ عقود، بعدما توسعت حملات الإطاحة التي يقودها الرئيس شي جين بينغ لتشمل قيادات بارزة في مواقع حساسة، في مشهد أثار موجة واسعة من القلق داخل وخارج البلاد بشأن القدرة الفعلية لجيش التحرير الشعبي على خوض مواجهة كبرى، خصوصًا في مضيق تايوان.
وبرغم أن بكين تحرص على إظهار الصورة التقليدية لقوة متماسكة تتقدم بخطوات ثابتة نحو هدف شي الاستراتيجي بتحويل الجيش الصيني إلى قوة “عالمية المستوى” بحلول عام 2049، فإن غياب قيادات رئيسية عن مناسبات عسكرية كبرى، وتراجع وتيرة بعض الأنشطة العملياتية قرب تايوان، يكشف عن صدع داخلي غير مسبوق.
خبراء غربيون وآسيويون باتوا يتساءلون: هل تؤثر حملة التطهير الواسعة على كفاءة الجيش؟ وهل يعكس هذا الاضطراب أزمة ثقة داخل القيادة العسكرية أم استعدادًا مبكرًا لإعادة بناء المنظومة بالكامل قبل مواجهة محتملة؟
فايننشال تايمز تشير إلى أن الإجابات لا تزال غامضة، لكن المؤشرات الميدانية والسياسية ترسم صورة أعقد مما تريد بكين الاعتراف به.
غياب لافت لقادة البحرية والقيادات الميدانية
خلال الاحتفال الضخم بتدشين حاملة الطائرات الصينية الجديدة “فوجيان”، لفت انتباه المراقبين غياب ثلاثة من كبار الضباط المتوقع أن يكون لهم دور مباشر في قيادة أهم الوحدات البحرية.
لم يظهر قائد البحرية الأدميرال هو تشونغمينغ، ولا قائد مسرح الجنوب الأدميرال وو يانان، كما غاب المفوض السياسي الإقليمي وانغ وينتشيوان.
هذا الغياب تزامن مع موجة جديدة من الإقالات شملت 10 ضباط كبار، بينهم هي ويدونغ، الرجل الثالث في الترتيب العسكري، الذي أُقيل بصمت قبل أشهر.

حملة تطهير تتوسع إلى مفاصل القيادة
تؤكد فايننشال تايمز أن تطهير شي لم يعد يقتصر على الفساد في منظومة التسلح، بل امتد إلى قيادات الأفرع العسكرية والدوائر السياسية داخل اللجنة العسكرية المركزية.
نسبة لافتة تبلغ 64% من القيادات العسكرية في اللجنة المركزية للحزب اختفت من الاجتماع الأخير—إما قيد التحقيق أو أُقيلت بالفعل.
الرؤساء الحاليون لأربعة من الأقاليم العسكرية الخمسة إما مطرودون أو قيد المراجعة، إضافةً إلى موجة الإطاحة بالمفوضين السياسيين، المسؤولين عن ضمان الولاء الحزبي داخل الجيش.
تغييرات في سلوك الجيش حول تايوان
رغم أن البعض ربط التطهير بضعف جاهزية الصين للقتال، إلا أن خبراء عسكريين يبدون أكثر حذرًا.
فمنذ الإطاحة بـ”هي ويدونغ” في الربيع الماضي، تغيّر نمط العمليات الصينية قرب تايوان:
-
انخفاض كبير في اختراقات الخط الفاصل بمنتصف المضيق
-
تراجع عدد الطلعات الشهرية للطائرات العسكرية قرب تايوان منذ يوليو
-
تحوّل تركيز التدريب إلى مواجهة قوات أمريكية محتملة في غرب المحيط الهادئ
يرى باحثون في تايبيه أن “هي” كان مهندس “الحرب في المنطقة الرمادية”، بينما يميل الجنرال تشانغ يوشيا—الرجل الثاني بعد شي—إلى تدريب أكثر انضباطًا وأقل إثارة للضجة الإعلامية.

بكين تُغيّر أولوياتها العسكرية خارج مضيق تايوان
التطورات تشير أيضًا إلى أن بكين ترى أن قواتها بلغت مستوى يتيح السيطرة على “سلسلة الجزر الأولى”، ما أتاح لها التحول نحو تدريبات أعمق في المحيط.
عام 2024 شهد:
-
أكبر مناورات بحرية وجوية حول تايوان واليابان
-
أول تشغيل متزامن لحاملتي طائرات خارج السلسلة الأولى
-
إرسال حاملة طائرات إلى ما وراء غوام لأول مرة
اعتبارات سياسية داخل الصين وتايوان
يرجّح محللون أن تراجع النشاط حول تايوان لا يتعلق فقط بالجانب العسكري، بل أيضًا:
-
محاولة بكين تجنب استفزاز انتخابي داخل تايوان بعد صعود خطاب أكثر ودّيّة تجاه الصين من قيادات “الكومينتانغ”
-
رغبة الصين في عدم إفساد مفاوضات حساسة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

هل تضعف التطهيرات جاهزية الصين للحرب؟
رغم صعوبة قياس التأثير الفعلي، يحذّر خبراء من أن الإطاحة بعشرات القادة السياسيين والعسكريين قد تُنتج:
-
جيلًا أصغر سنًا أقل خبرة وأكثر اندفاعًا
-
مخاطر في تماسك القيادة خلال الأزمات
-
تحديات في إدارة القوات الموزعة على جبهات متعددة
يرى مسؤول تايواني كبير أن “الضباط الجدد قد يكونون أكثر جرأة وأقل ميلًا لتجنب المخاطرة”، ما يجعل نتائج التطهير “غير قابلة للتوقع”.
إصلاحات واسعة تمتد إلى العمود الفقري للجيش
بدأ شي جين بينغ منذ العام الماضي استهداف منظومة العمل السياسي داخل الجيش بعد إقالة مياو هوا، المسؤول الأول عن الانضباط السياسي.
لوائح جديدة تسمح للجنود بتقديم شكاوى ضد المفوضين السياسيين، وهو ما قد يؤدي إلى:
-
موجات تطهير جديدة
-
تغييرات سريعة في التسلسل القيادي
-
صعود كوادر بلا روابط ولاء تقليدية
في المحصلة…
تؤكد فايننشال تايمز أن التطهير العسكري الواسع قد يكون محاولة لإعادة ضبط الجيش قبل مواجهة محتملة، لكنه في الوقت نفسه يثير أسئلة خطيرة حول قدرة الصين على خوض حرب طويلة أو معقدة، خصوصًا في مضيق تايوان.
ما بين إعادة الهيكلة، والارتباك الداخلي، والتحولات الاستراتيجية، تبقى جاهزية الجيش الصيني مسألة مفتوحة لا تزال تثير الكثير من الجدل—داخل الصين وخارجها.



