أونروا تتهم إسرائيل بعرقلة المساعدات وانتهاك القانون الدولي في غزة

تتصاعد التحذيرات الأممية من سوء الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة مع استمرار القيود الإسرائيلية المشددة على دخول المساعدات، في وقت يواجه فيه السكان نقصًا حادًا في الغذاء والمياه والمواد الأساسية بالتزامن مع اقتراب الشتاء. وأكدت ناتالي بوكلي، نائبة المفوض العام لأونروا، أن ما يجري يمثّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن نصف الاحتياجات اليومية فقط يصل إلى القطاع، بينما تبقى آلاف الشاحنات المحملة بالإمدادات الضرورية عالقة في مصر والأردن. ويأتي هذا التدهور الإنساني في ظل تدمير واسع للبنية التحتية، وتزايد أعداد النازحين، وتراجع الخدمات الصحية بصورة غير مسبوقة. وترى بوكلي أن معالجة الأزمة يتطلب تخفيف القيود، وإنقاذ أونروا ماليًا، واستثمار اللحظة السياسية للضغط نحو حل عادل ودائم، مؤكدة أن تجاهل هذه المسارات سيهدد الأمن الإقليمي على المدى الطويل.
نقص المساعدات وتكدس الشاحنات عند المعابر
تشير بوكلي إلى أن أونروا تمتلك حاليًا مخزونًا جاهزًا من المواد الأساسية يكفي لتغطية احتياجات سكان غزة لمدة ثلاثة أشهر، يشمل الغذاء والخيام والمستلزمات الضرورية، إلا أن هذه الإمدادات لا تزال محجوزة عند المعابر بسبب القيود الإسرائيلية المتواصلة. وتوضح أن أكثر من 6,000 شاحنة جاهزة للدخول، بينما لا يحصل القطاع إلا على ما بين 500 و600 شاحنة يوميًا، وهو الحد الأدنى الذي يسمح فقط بتجنب الانهيار الكامل دون تلبية الاحتياجات الحقيقية لأكثر من مليوني مدني. وتشدّد على أن هذا التدفق المحدود يفاقم مؤشرات المجاعة ويعيق قدرة الوكالة على توسيع عمليات الإغاثة، خاصة مع حلول الشتاء وتردي أوضاع مئات الآلاف من النازحين في مراكز الإيواء المكتظة. وتؤكد أن استمرار هذا الوضع يعمّق المأساة ويضع الوكالة أمام تحديات إنسانية غير مسبوقة.
اتهامات أممية بخرق القانون الدولي الإنساني
توضح بوكلي أن إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، ملزمة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة بتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان المدنيين، إلا أنها — بحسب تعبيرها — لا تلتزم بهذه المسؤوليات. وتشير إلى أن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في 22 أكتوبر شدّد على ضرورة ضمان تدفق المساعدات دون قيود والتعاون المباشر مع أونروا، كما نفى وجود أي دليل يدعم الادعاءات الإسرائيلية حول اختراق واسع لموظفي الوكالة من قبل حماس. وتؤكد أن الحالات المثبتة لا تتجاوز تسعة موظفين تمت إقالتهم، وهو رقم بعيد تمامًا عن الاتهامات الإسرائيلية التي تستخدم — بحسب قولها — لتبرير سياسة “عدم التواصل” التي تتبعها مع الوكالة. وترى أن هذا النهج يقيّد العمل الإنساني ويقوّض الجهود الدولية الرامية لحماية المدنيين وتوفير ممرات آمنة للمساعدات.
عجز مالي يهدد بوقف خدمات أساسية
تحذر بوكلي من أن أونروا تواجه عجزًا ماليًا يبلغ 200 مليون دولار حتى مارس المقبل، وهو ما يهدد استمرار خدماتها الأساسية للاجئين الفلسطينيين في التعليم والصحة والإغاثة والحماية الاجتماعية في غزة والضفة ودول الجوار. وتشدد على أن الوكالة — رغم تأسيسها المؤقت عام 1948 — باتت اليوم الجهة الوحيدة القادرة على تقديم خدمات متكاملة لقرابة 5.9 مليون لاجئ فلسطيني، ما يجعل انهيارها المحتمل كارثة إنسانية وسياسية. وتوضح أن غياب التمويل سيؤدي إلى وقف برامج التعليم وعيادات الرعاية الأساسية وخدمات الإيواء، ما سيخلق فراغًا لا يمكن لأي مؤسسة دولية أخرى ملؤه في الوقت الراهن. وتدعو المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي إلى التحرك العاجل لتوفير التمويل المطلوب، مؤكدة أن الدفاع عن أونروا هو دفاع عن الاستقرار الإقليمي ومنع انهيار البنى الاجتماعية في المناطق الأكثر هشاشة.

فرصة سياسية قد تضيع وسط التعقيدات
تشير بوكلي إلى وجود فرصة نادرة — للمرة الأولى منذ اتفاق أوسلو — لبلورة مسار سياسي جديد يفتح الطريق نحو حل عادل ودائم للصراع، لكنها تحذر من ضياع هذه الفرصة إذا لم تمارس الدول الكبرى ضغطًا جديًا على إسرائيل لوقف التصعيد وفتح المجال أمام مفاوضات أوسع. وتلفت إلى أن الوساطات الجارية، والتي يُنسب جزء من نجاحها لإدارة ترامب في تثبيت وقف إطلاق النار، تتم بعيدًا عن الأطر الأممية التقليدية، ما يثير تساؤلات حول “مجلس السلام” المزمع تشكيله من حيث صلاحياته ومرجعياته. وترى أن الأمن لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل يتطلب مسارًا سياسيًا شاملاً يراعي حقوق الطرفين ويضمن معالجة جذور الصراع. وتؤكد أن تجاهل هذا المسار سيقود إلى استمرار دوامة العنف ويقوّض أي جهود لتحقيق استقرار مستدام.
جيل مهدد بالضياع في ظل القيود التعليمية
تدير أونروا نحو 280 مساحة تعليمية مؤقتة داخل مخيمات ومراكز الإيواء في غزة، تقدم بضع ساعات يوميًا من التعليم والدعم النفسي لنحو 40 ألف طفل، إلا أن عملها يواجه عراقيل كبيرة بسبب القيود الإسرائيلية التي تمنع إدخال الدفاتر والأقلام وحتى المواد الأساسية للأنشطة التعليمية. وتوضح بوكلي أن الأطفال في غزة مرّوا خلال العامين الماضيين بصدمات متكررة تشمل فقدان الوالدين أو أحدهما، والتهجير المستمر، ونقص الغذاء، والقصف الذي دمّر منازل بأكملها. وتشير بيانات استندت إليها يونيسف إلى أن 2,596 طفلًا فقدوا كلا الوالدين، بينما فقد 53,724 طفلًا أحدهما، في واحدة من أكبر موجات اليُتم في تاريخ القطاع. وتحذر بوكلي من أن غياب الدعم سيترك جيلًا بلا أفق، أكثر عرضة للتطرف أو العنف ما لم يُمنح فرصًا للتعليم والاندماج والحماية.
مسارات لإنقاذ غزة وحماية الاستقرار الإقليمي
ترى بوكلي أن تجاوز الأزمة الحالية يتطلب تفعيل ثلاثة مسارات مترابطة: أولها فتح المعابر لضمان تدفق المساعدات بلا قيود، وثانيها إنقاذ أونروا من عجزها المالي الذي يهدد بتعطيل خدمات أساسية للملايين، وثالثها استثمار اللحظة السياسية الحالية لإطلاق مسار حل شامل يضمن الأمن للطرفين. وتحذر من أن فشل هذه المسارات سيعمّق الأزمة الإنسانية في غزة ويزيد من احتمالات الانفجار الأمني في المنطقة بأكملها، خصوصًا في ظل ارتفاع أعداد الأيتام وتوسع الاحتياجات المعيشية. وتشدد على أن التحرك الدولي ليس مجرد استجابة إنسانية عاجلة، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار الإقليمي ومنع تكرار دورات العنف التي تهدد مستقبل المنطقة.



