ايكونوميست: الركود أصبح نادراً بشكل غير مسبوق… وهذا ما يجعل الاقتصادات أكثر هشاشة

من منظور تاريخي، كان الركود جزءاً شبه دائم من الحياة الاقتصادية. فبين عامي 1300 و1800، كان الاقتصاد الإنجليزي يعيش في حالة انكماش نصف الوقت تقريباً. ومع تطور الرأسمالية وظهور سياسات نقدية ومالية أكثر نضجاً، أصبحت فترات الركود أقل شيوعاً في القرنين التاسع عشر والعشرين. واليوم، وصل العالم إلى حالة غير معهودة: الركود أصبح “فصيلة مهددة بالانقراض”.
ورغم موجات من الاضطرابات — من رفع أسعار الفائدة والأزمات المصرفية إلى الحروب التجارية والعسكرية — سجّل الاقتصاد العالمي منذ عام 2022 نمواً ثابتاً بنحو 3% سنوياً. البطالة في دول منظمة OECD لا تزال عند مستويات متدنية تاريخياً، وأرباح الشركات العالمية ارتفعت في الربع الثالث من 2025 بنسبة 11% مقارنة بالعام السابق.
وباستثناء صدمة جائحة كورونا، لم يشهد العالم ركوداً متزامناً منذ أكثر من 15 عاماً. ثلث العاملين في الولايات المتحدة لم يختبروا ركوداً حقيقياً في حياتهم المهنية.
لكن هذا “الاستقرار الاستثنائي” يخبّئ مشكلة كبيرة: الاقتصادات التي لا تتعرض لصدمات دورية تميل إلى التضخم، البطء، وتراكم الهشاشات.
هل يحتاج الاقتصاد إلى ركود بين الحين والآخر؟
يستشهد الاقتصاديون بأفكار جوزيف شومبيتر حول “الهدم الخلّاق” — فكرة أن الركود يُصفّي الشركات الضعيفة، ويحرر رأس المال والعمالة للقطاعات الأكثر إنتاجية.
بمعنى آخر:ألم قصير… مقابل مكاسب طويلة الأمد.
دراسات عديدة دعمت هذا المنظور:
أبحاث “كاباييرو وهامور” (1994) أظهرت أن الركود يطرد التقنيات المتقادمة من السوق.
دراسة عام 2022 بيّنت أن الشركات الناشئة التي تُولد في فترات الركود تنمو بشكل أقوى وتصل للبورصات أسرع.
حتى خلال جائحة كورونا، كان انتقال العمالة في أمريكا أعلى بمرتين مقارنة بأوروبا، مما رفع إنتاجية العمل الأمريكية 10% منذ 2019، مقابل 2% فقط في الاتحاد الأوروبي،لكن الأمر ليس دائماً وردياً.
فبعد انفجار فقاعة اليابان في التسعينيات، أبقت البنوك على الشركات الضعيفة عبر “إقراض ميت” لم يمنح الاقتصاد فرصة للتجدد.
أما ركود 2007-2009 في أمريكا، فأدى إلى انخفاض غير مسبوق في معدلات إعادة تخصيص العمالة.
الركود إذن قد يكون “دواءً شافياً”… وقد يكون “سمّاً بطيئاً”.
حين تتدخل الحكومات لإنقاذ الجميع… تتراكم المخاطر
مع غياب الركود لسنوات طويلة، أصبحت الحكومات — خصوصاً في الدول الغنية — تتدخل عند أول علامة خطر:
أوروبا ضخت دعماً يعادل 3% من الناتج خلال أزمة الطاقة 2022.
الحكومة الأمريكية ضمنت كل الودائع بعد انهيار “سيليكون فالي بنك” في 2023.
عجز الميزانية الأمريكية اليوم يتجاوز 5% من الناتج رغم قوة الاقتصاد.
ومع أن هذه السياسات تمنع الانهيار، فإنها تخلق ثلاثة أنواع من المخاطر المتضخمة:
1. المخاطر المالية: “عمى الكوارث”
عندما يعتاد المستثمرون على عدم حدوث ركود، تتراخى الحذرية. في السنوات الأخيرة:تدفقت 3 تريليونات دولار من مدخرات الأسر إلى أسواق الأسهم.
30% من ثروة الأسر الأمريكية أصبحت مرتبطة بالبورصة — أعلى مستوى في التاريخ.
الاستثمار في شركات الذكاء الاصطناعي بلغ حالة “هوس جماعي”.
تصحيح كبير واحد قد يكون كفيلاً بهز اقتصادات كاملة.
2. المخاطر المالية العامة: دولة الإنقاذ تتحول إلى دولة العبء
الديون العامة في العالم الغني ارتفعت إلى أعلى مستوى منذ نهاية حروب نابليون.
وفي أمريكا تحديداً:
الالتزامات الطارئة (مثل ضمان الودائع، حماية المقرضين، ووعود الرعاية الصحية) بلغت 130 تريليون دولار — خمسة أضعاف الناتج الأمريكي.
ومع اتساع “ثقافة التوقع” لدى الشركات، قد تجد الحكومات نفسها مضطرة لإنقاذ الكثير من القطاعات في وقت واحد.
3. المخاطر التخصيصية: صعود “شركات الزومبي”
جزء كبير من رأس المال والعمالة بات عالقاً في شركات ضعيفة الإنتاجية:
نسبة الشركات “الزومبي” ارتفعت من 6% عام 2000 إلى 9% عام 2021.حتى مع ارتفاع أسعار الفائدة، استمرت هذه الشركات في النمو بفضل سهولة التمويل والدعم السياسي.
والأخطر أن وجود الشركات المتعثرة:
يمنع الشركات القوية من التوسع
يعيق دخول شركات جديدة
يضعف الإنتاجية على مستوى الاقتصاد
يقلل انتقال العمال من وظائف ضعيفة إلى وظائف أفضل
وهكذا يصبح النمو مستقراً في الظاهر… ومختلاً في الجوهر.
خلاصة إيكونوميست: الاستقرار المفرط خطر صامت
العالم يتمتع الآن بأطول فترة نمو بلا ركود منذ عقود.
لكن وراء هذا الهدوء تتجمع فقاعة من المخاطر المالية والديون وتدهور الإنتاجية.
وإذا كانت الحكومات تُصر على منع الركود بأي ثمن، فعليها — في المقابل — السماح بحدوث ما يجعل الاقتصادات صحية:
التجديد المستمر، خروج الضعفاء، ونشوء الشركات القوية.
وإلا فإن “اقتصاد بلا ركود”… قد يتحول في النهاية إلى اقتصاد بلا نمو.



