تركيا تعيد فتح ملف كشمير… أردوغان يدفع نحو محور إسلامي جديد بقيادة أنقرة

تعود تركيا مجددًا لاستخدام ملف كشمير كأداة في سياستها الخارجية، في مؤشر واضح على توسّع طموحات الرئيس رجب طيب أردوغان لإعادة تموضع بلاده كقوة مركزية في العالم الإسلامي. وجاءت الخطوة الأخيرة بعد أن تضمّن عرض وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لموازنة 2026 إشارات مباشرة إلى النزاع بين الهند وباكستان، في سياق متكرر منذ عام 2019 حين بدأ أردوغان يثير قضية كشمير سنويًا في الأمم المتحدة. هذا الاستخدام السياسي المتكرر للملف يعكس رغبة أنقرة في إعادة إحياء سردية “الدور التاريخي” لتركيا تجاه المسلمين في آسيا، وفي الوقت نفسه مواجهة النفوذ الهندي المتنامي في جنوب القارة الآسيوية. ومع توسع شبكة العلاقات التركية في باكستان وبنغلادش، وتصاعد حضور “ديانت” في الخارج، تبدو تركيا في مرحلة تشكيل محور إسلامي غير رسمي يعزز قدرتها على التأثير في معادلات إقليمية حساسة، وسط مخاوف هندية من أن يتجاوز الدور التركي حدود الخطاب السياسي إلى دعم تحركات ميدانية وأيديولوجية قد تُحدث اضطرابًا في المنطقة.
طموحات أردوغان وتوسيع الدور الإسلامي
منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، سعت تركيا إلى بناء شبكة دبلوماسية واسعة جعلتها ثالث أكبر قوة تمثيل خارجي بعد الولايات المتحدة والصين، وهو ما اعتبره أردوغان أساسًا لتقديم بلاده كـ“قوة حضارية” قادرة على قيادة العالم الإسلامي. ويجدد الرئيس التركي استحضار الرمزية العثمانية في خطابه السياسي، مستهدفًا دورًا يتحدى القيادة السعودية داخل منظمة التعاون الإسلامي عبر طرح رؤى بديلة تضم باكستان وماليزيا وبنغلادش. ويطرح أردوغان تصورًا لـ“ائتلاف إسلامي” يستند إلى النفوذ التركي السياسي والاقتصادي، معتبرًا أن تركيا هي الدولة الوحيدة المؤهلة لقيادة العالم الإسلامي بحكم تاريخها ومواردها وشبكة تحالفاتها. غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع معقد يتضمن تنافسًا إقليميًا حادًا، وتباينات عميقة بين القوى الإسلامية الكبرى، فضلًا عن تحديات اقتصادية داخلية تحدّ من قدرة أنقرة على تنفيذ أجندة توسعية طويلة الأمد.
“ديانت”: نفوذ ديني يتمدد عبر الحدود
أصبحت رئاسة الشؤون الدينية التركية (ديانت) واحدة من أبرز أدوات النفوذ الخارجي لأنقرة بميزانية تجاوزت 3.18 مليار دولار عام 2023، متفوّقة على ميزانيات وزارات سيادية في بلدان أخرى. وتعمل “ديانت” على نشر الخطاب الديني التركي وإدارة المساجد والمدارس الدينية خارج البلاد، كما تتولى تدريب رجال الدين وفق المدرسة الحنفية الماتريدية، في مسعى لمواجهة التيارات السلفية المدعومة من دول خليجية. ومع ذلك، أثار النفوذ المتزايد للمؤسسة انتقادات واسعة في أوروبا، حيث فُرضت قيود على بعض نشاطاتها ورُفضت تأشيرات أئمة تابعين لها بحجة “التأثير السياسي”. ويشير محللون إلى أنّ توسّع “ديانت” لا يحمل بُعدًا دينيًا فحسب، بل يشكل رافعة سياسية توظّفها أنقرة لتعزيز حضورها في الجاليات المسلمة حول العالم، ما جعلها جزءًا أساسيًا من استراتيجية أردوغان لإعادة تعريف الدور التركي في المجال الإسلامي عالميًا.
تركيا وجماعة الإسلام في بنغلادش
بعد الإطاحة بحكومة الشيخة حسينة في أغسطس 2024 وصعود حكومة محمد يونس الانتقالية، توسع النفوذ التركي في بنغلادش مستفيدًا من التحالف التاريخي مع “جماعة الإسلام”. وتشير تقارير متعددة إلى أن أنقرة لعبت دورًا مباشرًا في دعم الجماعة سياسيًا ولوجستيًا، بما يشمل زيارات لمسؤولين مقربين من أردوغان إلى دكا، واستقبال قيادات إسلامية في تركيا، إضافة إلى تدريبات أمنية وعسكرية لعناصر مرتبطة بالجماعة. كما وثّقت مصادر مستقلة دعمًا تركيًا لشبكات راديكالية تعمل تحت غطاء مؤسسات خيرية ومدارس دينية، ما أثار قلقًا لدى الأجهزة الهندية التي تراقب تأثير هذا النفوذ على الأمن الإقليمي. وتروج جماعات مدعومة تركيًا في دكا خرائط لـ“بنغلادش الكبرى” تضم ولايات هندية وأراكان، وهو ما تعتبره نيودلهي مؤشرًا على محاولة خلق حاضنة أيديولوجية معادية للهند تتجاوز الحدود الجغرافية وتؤسس لسردية سياسية جديدة في المنطقة.
محور ثلاثي غير معلن: تركيا – باكستان – بنغلادش
تشير تحليلات حديثة إلى تبلور محور ثلاثي غير رسمي يجمع تركيا وباكستان وبنغلادش، يقوم على توزيع أدوار متكامل: تركيا توفر الغطاء السياسي والمالي والدبلوماسي، وباكستان تقدم الخبرة العسكرية والقدرات العملياتية، بينما تسهم جماعة الإسلام في بنغلادش في توفير البعد الأيديولوجي والتنظيمي. ويهدف هذا التكتل إلى تقويض النفوذ الهندي في جنوب آسيا وتعزيز السردية التركية حول “النهضة الإسلامية”. ويتعزز هذا المحور عبر تعاون عسكري واسع يشمل الطائرات المسيّرة التركية والفرقاطات ومنظومات المدفعية، إضافة إلى عقود ضخمة مع بنغلادش لشراء دبابات وعربات مدرعة وبناء مجمعات دفاعية بدعم تركي. وتُظهر المؤشرات أن أنقرة أصبحت رابع أكبر مصدر سلاح لداكا، في دلالة على توسع نفوذها ليس عبر الخطاب الديني فقط بل من خلال قوة صلبة تعيد تشكيل توازنات المنطقة.
طموح تركي كبير.. وواقع أشد تعقيدًا
رغم أن الأنشطة التركية في كشمير وبنغلادش وباكستان تعكس توسعًا كبيرًا في نفوذ أنقرة، إلا أن مشروع أردوغان لقيادة العالم الإسلامي يواجه معوقات جوهرية. فالعلاقات المتوترة مع السعودية والإمارات ومصر بسبب دعم الإخوان المسلمين تشكّل عائقًا كبيرًا أمام بناء قيادة موحدة. كما أن النفوذ الإيراني يفرض معادلات موازية لا يمكن تجاوزها، بينما تبقى الحساسية العربية تجاه الإرث العثماني عائقًا نفسيًا وسياسيًا أمام تبني أي قيادة تركية فوق إقليمية. ويضاف إلى ذلك الانقسام الداخلي في تركيا بين الاتجاهين العلماني والإسلامي، والأزمة الاقتصادية التي تحدّ من قدرة أنقرة على تمويل مشاريع توسعية مكلفة. لذلك يرى خبراء أن ما تحاول تركيا بناؤه قد يكون نفوذًا إقليميًا متقدمًا لكنه لا يرتقي بعد إلى مستوى قيادة العالم الإسلامي، رغم رغبة أردوغان في تقديمه باعتباره “واجبًا حضاريًا”.



