عقدة الأراضي تتصدر مباحثات أبوظبي حول أوكرانيا | تاس

تواصل القضايا الإقليمية فرض نفسها باعتبارها التحدي الأبرز في مسار المفاوضات الثلاثية الجارية في أبوظبي بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، وسط مساعٍ حذرة لاختبار فرص التقدم في ملف التسوية السياسية والأمنية. ووفق مصادر قريبة من المباحثات، فإن ملف الأراضي، وتحديدًا وضع إقليم دونباس، لا يزال العقدة الأصعب على طاولة النقاش، في ظل تمسك موسكو بانسحاب القوات الأوكرانية كأولوية لا يمكن تجاوزها. وتأتي هذه الجولة من المحادثات في سياق دبلوماسي بالغ الحساسية، بعد لقاء مطول جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمبعوثين أمريكيين، وُصف في الكرملين بأنه صريح وبنّاء، ما فتح الباب أمام إطلاق آلية حوار جديدة تضم الأطراف الثلاثة. وبين حسابات الأمن الميداني وتوازنات السياسة الدولية، تبدو أبوظبي مسرحًا لاختبار مدى استعداد الأطراف للانتقال من إدارة الصراع إلى البحث الجدي عن مخارج له.
الأراضي… المعضلة الأصعب على الطاولة
بحسب مصادر مطلعة، لا يزال ملف الأراضي هو الأكثر تعقيدًا في المباحثات الثلاثية، إذ يتمحور الخلاف الرئيسي حول مستقبل إقليم دونباس. وترى موسكو أن أي تقدم حقيقي في مسار التسوية لا يمكن أن يتحقق دون معالجة هذا الملف بشكل مباشر، بينما تتعامل كييف مع القضية باعتبارها مسألة سيادة وطنية لا تقبل التنازل. هذا التباين الحاد يجعل من النقاشات حول الحدود والسيطرة الميدانية اختبارًا فعليًا لجدية الأطراف في البحث عن حلول وسط، بدل الاكتفاء بإدارة الخلافات.
دونباس في صلب الحسابات الروسية
تؤكد روسيا أن انسحاب القوات الأوكرانية من دونباس يمثل أولوية استراتيجية، ليس فقط من زاوية عسكرية، بل أيضًا في إطار ما تصفه بترتيبات أمنية طويلة الأمد. ووفق المصدر ذاته، فإن المباحثات لا تقتصر على مسألة الانسحاب بحد ذاتها، بل تمتد إلى مناقشة “معايير وضمانات أمنية” تهدف إلى منع تجدد القتال في حال التوصل إلى تفاهمات أولية. هذا الطرح يعكس رؤية موسكو لتسوية تقوم على إعادة رسم الواقع الميداني بما يتوافق مع مصالحها الأمنية.
لقاء بوتين–ويتكوف يمهد للمسار الجديد
جاءت مباحثات أبوظبي بعد أيام من لقاء جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالمبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف ورجل الأعمال جاريد كوشنر. ووصف الكرملين هذا الاجتماع بأنه كان “موضوعيًا وصريحًا وقائمًا على الثقة”، واستغرق نحو أربع ساعات ركزت بشكل أساسي على آفاق التسوية في أوكرانيا. هذا اللقاء اعتُبر نقطة انطلاق لمسار تفاوضي أكثر تنظيمًا، تُرجم سريعًا بالاتفاق على عقد أول اجتماع لآلية عمل ثلاثية تُعنى بالملفات الأمنية.
أبوظبي منصة لحوار أمني ثلاثي
اتفق الأطراف على أن تستضيف أبوظبي الاجتماع الأول لمجموعة العمل الروسية–الأمريكية–الأوكرانية المعنية بالقضايا الأمنية، في خطوة تعكس رغبة في توفير بيئة محايدة للحوار. ووفق مصادر تاس، فقد اختُتمت الجولة الأولى من المشاورات، على أن يقوم كل طرف بإطلاع قيادته السياسية على النتائج الأولية، مع الاتفاق على استئناف الحوار في اليوم التالي. هذا الإطار يعكس مقاربة تدريجية، تقوم على اختبار النقاط الخلافية بدل السعي إلى اتفاق شامل دفعة واحدة.
قيادات تفاوضية بثقل أمني
يترأس الوفد الروسي في هذه المباحثات إيغور كوستيوكوف، رئيس المديرية الرئيسية لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، ما يمنح الجانب الأمني والعسكري وزنًا واضحًا في النقاشات. في المقابل، يقود الوفد الأوكراني أمين مجلس الأمن القومي والدفاع رستم عمروف، وهو ما يشير إلى أن كييف تتعامل مع المحادثات باعتبارها جزءًا من معادلة أمن قومي شاملة، لا مجرد مفاوضات سياسية تقليدية.
مسار مفتوح على سيناريوهات متعددة
رغم صعوبة القضايا المطروحة، يتفق مراقبون على أن مجرد استمرار الحوار الثلاثي يمثل تطورًا لافتًا في مسار الأزمة الأوكرانية. غير أن التعقيدات المرتبطة بملف الأراضي، وتباين الرؤى حول الضمانات الأمنية، تجعل من الصعب التنبؤ بمدى قدرة هذه المباحثات على تحقيق اختراق حقيقي. وبينما تستعد العواصم المعنية لتقييم نتائج جولة أبوظبي، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه المحادثات ستؤسس لمسار تفاوضي مستدام، أم ستظل مجرد محطة في صراع طويل الأمد.



