تكيّف أو انقراض: ألازمة الإنسانية العالمية في السودان والخرطوم الفارغة

تعيش الإنسانية اليوم لحظة تحوّل قاسية، حيث تتلاقى أزمات الحروب مع تراجع التمويل الدولي وتآكل الإرادة السياسية لدعم اللاجئين. السودان أصبح رمزًا لهذه الأزمة: دولة بلا مطار يعمل، وعاصمة فارغة من سكانها، وخراب يلفّ كل شيء. في هذا المشهد المروّع، يظهر دور الأمم المتحدة كمحاولة أخيرة لاحتواء الكارثة، لكنّها تواجه تحديات لم تعرفها من قبل: تراجع الدعم، تصاعد العنف، وتحكّم الفاعلين المسلحين في مصير المساعدات. التقرير يروي رحلة المفوض السامي للأمم المتحدة للاجئين في آخر مهمّة له، ويكشف كيف أصبحت الإنسانية تتصارع مع واقع جديد: إما التكيّف أو الانقراض.
طريق محفوف بالمخاطر: من البحر إلى الخرطوم
لم يعد بإمكان الأمم المتحدة الاعتماد على الجو للوصول إلى الخرطوم؛ فالمدينة واحدة من القلائل في العالم بلا مطار يعمل. آخر محاولة لإعادة تشغيل المدرج انتهت بقصف بالطائرات المسيرة قبل يوم من افتتاحه، فكان الحل بالسيارة عبر طريق طويل يمتد لأكثر من 800 كيلومتر. الطريق يمر بمناظر متناقضة: مناجم ذهب وحقول بطيخ، ثم مبانٍ مدمرة، ولافتات دعائية لزعماء عسكريين. ومع كل كم تتعمق فكرة أن السودان لم يعد دولة فاشلة فقط، بل أرضًا تحولت إلى فوضى مرئية.
الخرطوم الفارغة: مدينة بلا نبض
عند الوصول، لم يكن هناك ازدحام ولا أصوات أبواق، فقط صمت يلف المدينة. اختفت أربعة أخماس سكان الخرطوم، وتحولت العاصمة إلى مدينة أشباح. المباني تحمل آثار الرصاص كجروح مفتوحة، والناطحات السحابية المرموقة باتت ركامًا. لم تشهد السودان في تاريخها الطويل صراعًا يطال العاصمة بهذا الشكل، ما يجعل الخرطوم اليوم رمزًا لسقوط كامل لدولة كانت تعد مركزًا حضريًا مزدهرًا. المدينة لم تعد فقط مدمرة، بل مهجورة بشكل يثير الرعب.
الوداع المؤلم لمقر الأمم المتحدة
رافقنا المفوض السامي للأمم المتحدة للاجئين، فيليبو غراندي، في آخر رحلة له قبل التقاعد، ليشهد تدميرًا لم ير مثله. المكتب الذي كان مقرًا لعمل المنظمة في الخرطوم تحول إلى رماد، والأسقف المعدنية انثنت وتعرّجت. قال غراندي إنه لم يرَ شيئًا مثل هذا في كابل أو سوريا، فيما كان هناك عظم ساق بشرية قريبًا من المكان، يذكر أن الحرب ليست مجرد تدمير مبانٍ، بل موت يتغلغل في كل زاوية. هذا المشهد يثبت أن النظام الإنساني بات يواجه واقعًا لا يمكن إنكاره.
أزمة التمويل: الإنسانية تتراجع
العالم الإنساني يواجه أزمة تمويل حادة، إذ تعبّت الدول الغنية وشعوبها من دفع المساعدات واستقبال اللاجئين. المفوضية نجت من تقليصات كاملة، لكن ميزانيتها تراجعت بنسبة كبيرة، وفي 2025 جمعت أقل من نصف ما تحتاجه، مما أدى إلى تسريح آلاف الموظفين. إعلان الولايات المتحدة بأن الوكالات الإنسانية يجب أن “تتكيف أو تقلص أو تموت” لم يكن مجرد تصريح، بل حكمًا يفرض نفسه على واقع منظمة بدأت تتآكل. هذا التراجع يأتي بينما الحاجة إلى المساعدة تتزايد بشكل غير مسبوق.
الحروب تتوسع والنازحون يتضاعفون
بينما تتقلص الموارد، تتسع الحروب وتزداد أعداد النازحين. في 2022 بلغ عدد القتلى في النزاعات المسلحة أعلى مستوى منذ 18 عامًا، وارتفع عدد النازحين إلى 118 مليون شخص خلال عقد. ثلاثة دول تهيمن على الارتفاع الأكبر: أوكرانيا وفنزويلا والسودان. السودان وحده شهد نزوح نحو 15 مليون شخص، وملايين أخرى فرّت إلى دول الجوار. هذا الواقع يجعل الأزمة السودانية ليست فقط أزمة محلية، بل اختبارًا لقدرة النظام الإنساني العالمي على الاستمرار في ظل تراجع الدعم.
المخيمات: حل مؤقت يتحول لكارثة
مع نقص التمويل، أصبحت المخيمات ملاذًا هشًا بدلًا من أن تكون حلًا. في مخيم شمال الخرطوم، كان اللاجئون يجلسون على حصائر تحت الشمس دون خيام كافية، في انتظار وعد يومي بوصول خيام جديدة لا تتحقق. غياب الرجال في المخيمات يروي قصة العنف الذي ارتكبته الميليشيات، بينما تحكي النساء قصص اغتصاب وابتزاز وقتل. المخيم، رغم كونه مكانًا آمنًا نسبيًا، يحمل بذور انهياره: لا خدمات، لا فرص، ولا قدرة على الاستمرار. وهو ما يجعل “الحل المؤقت” يتحول إلى مأساة طويلة.
التفاوض مع الفاعلين: بين النقد والوصول
في السودان، المساعدات الإنسانية تتقاطع مع السياسة بشكل مباشر. الجيش والميليشيات يستخدمان المساعدات كأداة ضغط، وتُمنع القوافل أو تُقيّد، بينما تُشترط الموافقات على الأهداف والمواقع. غراندي يتعامل مع هذا الواقع كديبلوماسي، يحاول الحفاظ على الوصول دون أن يتجاهل الانتهاكات. لكنه يدرك أن كل انتقاد قد يقطع الطريق أمامه، وأن كل تفاوض قد يُفسر كاستسلام. في هذا التوازن الصعب، يبدو أن العامل الوحيد المتاح هو الحفاظ على الوجود الإنساني حتى لو كان ثمنه التنازل.
التمويل السياسي: المال لا يأتي بلا شروط
حتى التمويل الذي يأتي من دول الخليج ليس ثابتًا، بل مشروطًا ومسيّسًا. غراندي وصفه بأنه “غير منتظم ومسيّس”، لأن الدول المانحة تريد التحكم في كيفية إنفاق الأموال. مثال ذلك الإمارات، التي تدّعي أنها من أكبر المانحين للسودان، بينما تُتهم بدعم الميليشيات نفسها. هذا يضع الأمم المتحدة في موقف صعب: إما قبول المال بشروط قد تُضعف حيادها، أو رفضه وخسارة التمويل. وفي عالم تقلّ فيه الموارد، تصبح الخيارات قاسية، والموقف الإنساني مضطرًا إلى التكيف.
مستقبل غامض: مفوضية في مواجهة جديدة
مع انتهاء فترة غراندي وتعيين بارهام صالح خلفًا له، يبدو أن أوروبا فقدت دورها القيادي في المجال الإنساني. بعض الخبراء يرون أن المفوضية لم تواكب تغيرات الواقع، وأن اعتمادها على التمويل الأمريكي لم يعد مستدامًا. تُطرح حلول مثل دمج المفوضية مع منظمة الهجرة الدولية أو تعزيز دور المنظمات المحلية، لكن لا يوجد خيار سهل. يبقى السؤال الأكبر: هل يمكن للنظام الإنساني أن يستمر في ظل تراجع التمويل وتزايد الأزمات؟ أم أن العالم يشهد انهيارًا تدريجيًا لمنظومة كانت يومًا رمزًا للتضامن؟

إقرأ أيضا:
مصر وليبيا توقعان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في الطاقة والتعدين






