“نمرّ بأخطر الأوقات”.. تحذيرات تركية من واقع زلزالي قد يتحول إلى كارثة صامتة

تتصاعد التحذيرات في تركيا من طبيعة المرحلة الحالية التي يصفها خبراء الزلازل بأنها من “أخطر الأوقات”، رغم ما يبدو ظاهريًا من انخفاض في النشاط الزلزالي. ويؤكد الباحث التركي الشهير أورهان جورور أن تراجع الهزات في هذه الفترة قد يدفع المجتمع إلى شعور زائف بالاطمئنان، في وقت يفترض أن يكون فيه التركيز منصبًا على تعزيز الوعي والاستعدادات الوقائية. ويشير جورور، في تصريحات نقلتها صحيفة “جمهوريت“، إلى أن الزلازل واقع جيولوجي متجذر في تاريخ البلاد، ما يستدعي الاستثمار في هذه الهدنة المؤقتة لإطلاق مبادرات مجتمعية وهندسية وتوعوية، بدلًا من انتظار الهزة التالية. هذا التحذير يعيد طرح الأسئلة حول قدرة البنية التحتية التركية على الصمود، في ظل تجارب مأساوية عاشتها البلاد خلال الأعوام الماضية، خصوصًا عقب الزلزال المدمّر الذي ضرب جنوب شرق تركيا في فبراير 2023.
واقع زلزالي ممتد عبر ملايين السنين
يؤكد جورور أن الزلازل كانت جزءًا ثابتًا من جغرافيا تركيا منذ نحو 14 مليون عام، وهو ما يجعلها ظاهرة “أزلية وخالدة”، ستستمر لملايين أخرى. وكتب في منشور على منصة “إكس” أن الهدوء الزلزالي الحالي يجب ألا يُقابل بالصمت، بل بمناقشة فعّالة حول سبل الوقاية وبناء مدن مقاومة للزلازل. ويشير الخبير إلى أن السؤال ليس ما إذا كان زلزالًا سيحدث أم لا، ولا حتى متى وأين وكيف، بل إلى كيفية الحد من حجم الكارثة عندما تقع الهزة التالية، مؤكدًا أن أغلبية مناطق تركيا معرّضة لمخاطر زلزالية عالية. ويرى جورور أن تجاهل هذا الواقع يشكل “خطيئة” بحق المواطنين، منتقدًا الدور المجتمعي والحكومي في التعامل مع الملف، ومطالبًا بانتقال النقاش من التكهنات إلى التخطيط الهندسي والعمراني الحقيقي. هذا الطرح يعيد التأكيد على أن الزلازل ليست حدثًا استثنائيًا، بل جزء من طبيعة البلاد الجيولوجية.
مأساة 2023.. جرح مفتوح في الذاكرة التركية
تأتي تحذيرات جورور بينما لا تزال تركيا تتعافى من آثار زلزال 6 فبراير 2023، أحد أقسى الكوارث الطبيعية في تاريخها الحديث، والذي ضرب منطقة كهرمان مرعش وامتدت تداعياته إلى شمال سوريا. فقد أدى الزلزال الأول بقوة 7.8 درجات، وتلاه آخر بقوة 7.7 درجات، إلى مقتل عشرات الآلاف وإحداث دمار واسع وصفه المسؤولون بأنه “كارثة القرن”. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى مقتل 53,737 شخصًا وإصابة أكثر من 107 آلاف آخرين في تركيا وحدها، فيما تجاوز عدد الضحايا في سوريا 5 آلاف قتيل.
وكان “موقع إبرار” في كهرمان مرعش أحد أكبر مواقع المأساة، إذ انهار 18 من أصل 22 مبنى خلال ثوانٍ، ما أدى لوفاة نحو 1,400 شخص. وتكشف هذه الأرقام هشاشة البنية العمرانية في العديد من المدن التركية، وتسلّط الضوء على الحاجة الملحّة لـ مدن مقاومة للزلازل، وهو ما يعززه خبراء المخاطر الجيولوجية الذين يرون أن كارثة مشابهة قد تتكرر في أي وقت.
دعوة لإعادة بناء مفهوم الأمان
يشدد جورور على أن مواجهة الخطر الزلزالي ليست مسؤولية حكومية فقط، بل تتطلب جهدًا مشتركًا يشمل الإدارات المحلية والمواطنين والقطاع الهندسي. ويطالب بتركيز الجهود على تقوية البنية التحتية، وتحديث مخزون المباني، وتعزيز الأنظمة البيئية والاقتصادية داخل المدن، بحيث تصبح قادرة على امتصاص صدمة أي زلزال مستقبلي. كما يرى أن النقاش العام يجب ألا ينحصر في الحديث عن الهزات المتوقعة، بل في كيفية بناء أنظمة أمان حضرية قادرة على حماية الأرواح وتقليل الخسائر. وبحسب الخبراء، فإن الفترة الحالية، رغم هدوئها النسبي، تمثل فرصة ثمينة لوضع خطط شاملة قبل وقوع الكارثة التالية.
وبينما تستمر تركيا في التعايش مع صدوعها الجيولوجية، تبدو الرسالة واضحة: الخطر لا يزال قائمًا، والاستعداد—not الخوف—هو الطريق الوحيد لمنع تكرار “كارثة القرن”.



