الاقتصاد

ترامب يعاقب سويسرا برسوم جمركية وسط احتفالها الوطني وتفوقها التجاري

رسوم مفاجئة بنسبة 39% تُربك علاقات واشنطن بواحدة من أقدم حلفائها

في الوقت الذي كانت فيه سويسرا تحتفل بذكرى تأسيسها عبر القسم التاريخي المعروف بـ”روتليششفور” في الأول من أغسطس، الذي يعود للعام 1291، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب “مفرقعة سياسية” باغتت الجميع: فرض رسوم جمركية بنسبة 39% على الصادرات السويسرية إلى الولايات المتحدة. القرار، الذي أُعلن في خضم أجواء وطنية مفعمة بالفخر والاستقلال، كان بمثابة صفعة غير متوقعة للدولة الأوروبية التي طالما عُرفت بإصرارها على الحياد والانفتاح التجاري.

عرض سويسري لم يُقنع واشنطن

بحسب مسؤولين سويسريين، فإن برن لم تتباطأ في التفاوض، بل تقدّمت بعرض مشابه في مضمونه لذلك الذي حصلت عليه دول الاتحاد الأوروبي، شمل التزامات بالاستثمار في السوق الأميركي وتنازلات زراعية طفيفة، إضافة إلى وعود بتدريب العمال الأميركيين في قطاع التصنيع. ومع ذلك، لم يكن هذا العرض كافيًا لإرضاء ترامب، الذي بدا أكثر اهتمامًا بعنصر واحد فقط: فائض الميزان التجاري لصالح سويسرا.

الفائض التجاري… مصدر غضب ترامب

الاقتصاد السويسري الموجه للتصدير أظهر فائضًا تجاريًا ضخماً مع الولايات المتحدة تجاوز 48 مليار دولار في عام 2024، ما يُمثّل نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. هذا الرقم، الذي تضخّم في الربع الأول من عام 2025 إلى 54 مليار دولار، اعتبره ترامب – كعادته – بمثابة “سرقة” من الأميركيين، رغم أنه مجرد نتاج لآليات السوق الحرة التي طالما تفاخر بها الغرب.

الذهب: المعدن المفضل لترامب والمسبب للأزمة

المفارقة أن ترامب نفسه كان جزءًا من السبب في تفاقم الفائض. فور عودته إلى البيت الأبيض، أثار قلق الأسواق بشأن سياساته الاقتصادية، ما دفع المستثمرين إلى البحث عن ملاذ آمن. وكانت سويسرا، باعتبارها مركزًا عالميًا لتكرير الذهب، هي الوجهة المنطقية.

في عام 2024، قفزت واردات أميركا من الذهب السويسري إلى 12.5 مليار دولار، مقارنة بمتوسط سنوي لا يتجاوز 4.5 مليار دولار. ورغم أن واشنطن لا تفرض رسومًا على واردات الذهب، إلا أن القيمة المرتفعة لهذه الصادرات ساهمت في تضخيم أرقام التجارة الثنائية، ما أعطى انطباعًا مضللًا لدى ترامب بأن سويسرا “تغرق السوق الأميركي” بسلع فاخرة وغالية.

صراع الأدوية: هدف سياسي آخر

لكن الذهب لم يكن وحده في مرمى الإدارة الأميركية. صادرات الأدوية، التي بلغت قيمتها 35.5 مليار دولار في 2024، أثارت بدورها استياء البيت الأبيض. وقال الممثل التجاري الأميركي، جيميسون غرير، بعد إعلان الرسوم: “نريد أن نصنع الأدوية في بلدنا”. كما وجّه ترامب رسائل شخصية إلى 17 من كبار الرؤساء التنفيذيين لشركات الأدوية، من بينهم مدراء شركتي “نوفارتيس” و”روش” السويسريتين، مطالبًا بخفض الأسعار لتتوافق مع أدنى مستوياتها في الأسواق المقارنة.

إعفاءات محدودة… ورسوم مرهقة

وبرغم ذلك، فإن الأدوية – على الأقل في الوقت الراهن – أُعفيت من الرسوم الجمركية، في انتظار بلورة سياسة أميركية شاملة بشأن قطاع الدواء. وبالمثل، تم استثناء الذهب أيضًا، ما يجعل متوسط الرسوم الفعلية التي تواجهها سويسرا حاليًا نحو 12% فقط. غير أن معظم القطاعات الأخرى مطالبة بدفع الـ39% كاملة، ما يُشكّل عبئًا ثقيلًا على الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ردود أفعال مختلفة… وركود محتمل

في داخل سويسرا، كان الرد سريعًا. عُقدت اجتماعات طارئة في برن، وتم التشاور مع ممثلي القطاع الصناعي والتجاري، في محاولة لصياغة عرض جديد أكثر جاذبية. لكن في الوقت نفسه، بدأت الشركات المتضررة التفكير في استراتيجيات بديلة: شركة “ثيرموبلان”، المورّد الحصري لماكينات القهوة لمقاهي “ستاربكس”، تدرس الآن خيار إقامة شراكة مع شركة أميركية لتقليل العبء الجمركي.

وبحسب دانييل كالت، كبير الاقتصاديين في بنك UBS السويسري، فإن بعض الشركات قررت ببساطة رفع الأسعار لتعويض التكاليف، بينما خسر بعضها الآخر بالفعل نصف حجم طلباته من السوق الأميركي. ويحذر كالت من أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يدفع البلاد إلى ركود اقتصادي خفيف خلال الشهور المقبلة.

أوروبا تعود إلى الواجهة… والانعزال يفقد جاذبيته

على المستوى الاستراتيجي، تُعيد الأزمة الأميركية تسليط الضوء على علاقة سويسرا بالاتحاد الأوروبي. فبينما ترتبط برن حاليًا بسلسلة من الاتفاقيات الثنائية مع بروكسل، تجري الاستعدادات لطرح حزمة اتفاقيات دائمة في استفتاء شعبي وشيك. ورغم المعارضة المتواصلة من التيارات الشعبوية واليمينية، إلا أن الهزة الأميركية الأخيرة أضعفت حجج المعسكر الرافض.

كما أن الشركات السويسرية، المرتبطة بشدة بسلاسل الإمداد الأوروبية، ترى في الاتفاقات الأوسع مع بروكسل منفذًا منطقيًا لتقليل التبعية للسوق الأميركي. ويقول كالت: “السردية القومية التي تدعو إلى البقاء وحدنا لم تعد مقنعة. العالم تغيّر، والانفتاح الذكي أصبح ضرورة اقتصادية.”

بين مرونة الاقتصاد ومحدودية الخيارات

رغم كل شيء، تُعرف سويسرا بمرونة اقتصادها ومهارة قطاعها الصناعي في التكيف مع التحديات. لكن يبقى أن صدمة الرسوم الأميركية تُشكّل تذكيرًا مؤلمًا بأن الانفتاح لا يُقابَل دائمًا بالمثل، وأن حتى الدول الصغيرة وذات السمعة الطيبة قد تصبح هدفًا لحسابات سياسية ضيقة. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستُثمر المفاوضات القادمة في تخفيف وطأة الرسوم؟ أم أن سويسرا مضطرة لتغيير تحالفاتها وفتح صفحة جديدة معجيرانها الأوروبيين، على حساب الحلم القديم بالاستقلال الكامل؟

اقرا ايضا:

ديمقراطيو تكساس يفرون إلى إلينوي لعرقلة مساعي الجمهوريين لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية

علياء حسن

علياء حسن صحفية مصرية تحت التدريب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى