سكان كييف بين الاستسلام والجرأة وسط ضربات روسية قتلت 21 شخصًا

في حوالي الثالثة صباحًا دويّ الانفجارات المميز في أنحاء كييف، أيقظ عشرات الآلاف وجعلهم يترددون بين الاحتماء أو البقاء في أسرتهم متمنّين الأفضل.
في مبنى سكني من خمسة طوابق بحي دارنيتسكي شرق المدينة، قال السكان إنهم سمعوا أصوات القصف الروسي من بعيد. كان الصوت مألوفًا لديهم، فابتعد كثير منهم عن النوافذ إلى الممرات الداخلية الطويلة قبل أن تقع الكارثة.
قال أولكسندر ياسترمسكي الذي احتمى مع زوجته تاتيانا وابنهما دينيس: «لم نفهم ما الذي حدث. كان الأمر وكأن شيئًا سقط في بيتنا. ثم سمعنا الصرخات». وعلى بُعد نحو مئة متر انهار الطرف الآخر من المبنى، مرسلًا –بحسب تاتيانا– «موجة هائلة من الغبار والدخان» باتجاههم.
شهادات مروّعة من قلب الدمار
في اليوم التالي، وصف سكان مذهولون كيف دمرت انفجارتان طرف المبنى وقتلتا 17 شخصًا.
الجندي إيفان جيليزكو كان يحدق في شقته الواقعة في الطابق الثاني وقد دُمّر شرفتها بالكامل. وبجانبه أكياس تضم بعض الأغراض التي تمكن من إخراجها من المنزل الذي عاش فيه مع أسرته لمدة 20 عامًا.


قال جيليزكو إنه مصدوم لدرجة لا تسمح له حتى بالغضب، واصفًا نفسه بالمُحبط. وأوضح أن بين الضحايا شقيقة صديقه ووالدي صديق طفولته. وأضاف أن أسرته نجت لأنها غادرت فور الانفجار الأول، مؤكدًا أن مثل هذه المأساة «ليست جديدة عليه».
مأساة عائلات لم تجد مهربًا
من تحرك بسرعة أو كان في الجهة الأخرى من المبنى نجا دون أذى، لكن شدة الانفجارات –التي دمّرت الطوابق الخمسة– لم تكن إلا بفعل صاروخ كروز أو صاروخ باليستي، ما ترك من كانوا في مسار الصواريخ دون أي فرصة للنجاة.
في موقع الهجوم، كانت يوليا مايستروك تحتضن ابنتها ماريا البالغة من العمر ثلاثة أشهر ونصف. وأوضحت أنها تعرف «امرأة لجأت مع ابنها البالغ 14 عامًا إلى القبو قرب موقع الضربة». الأم نجت لكنها أصيبت وبحاجة إلى علاج، أما ابنها «فقد مات في المستشفى»، قالت ذلك والدموع في عينيها.
كان هذا المراهق أحد أربعة أطفال بين 17 مدنيًا قتلوا في المبنى، لأنهم كانوا في الجهة الخاطئة منه. ولا يزال عشرة أشخاص في عداد المفقودين، فيما تواصل فرق الإنقاذ –المكوّنة من 200 عنصر– إزالة الركام بحثًا عن ناجين حتى يوم الجمعة.


هدوء هش يسبق العاصفة
عاشت كييف هدوءًا نسبيًا معظم شهر أغسطس. ومع اقتراب فشل قمة السلام في ألاسكا، اشتكى دونالد ترامب من قصف فلاديمير بوتين للمدن الأوكرانية وهدد بفرض عقوبات على النفط الروسي قبيل الاجتماع. بدا أن هذه التهديدات أثرت نسبيًا على الكرملين، فتوقفت الضربات الكبرى على المدن الأوكرانية، وعادت فترة من الهدوء.
لكن في ألاسكا رفض بوتين القبول بوقف إطلاق النار ما لم تستسلم أوكرانيا في القطاع المحصن الذي تسيطر عليه شرق دونيتسك. ولم يُبد ترامب استعدادًا كبيرًا للضغط على الكرملين لتخفيف شروطه؛ لذا لم يكن سوى مسألة وقت حتى تشعر روسيا بالثقة لتضرب كييف مجددًا وترى كيف سيرد الرئيس الأمريكي.

هجوم هو الأعنف منذ يوليو
صباح الخميس بدا واضحًا أن الكرملين يستخدم كامل قوته. فقد أعلنت القوات الجوية الأوكرانية أن البلاد تعرضت خلال الليل لـ629 صاروخًا ومسيرة روسية، في أسوأ هجوم على كييف منذ 31 يوليو الذي أودى بحياة 32 شخصًا. تدخلت فرق الإنقاذ في أكثر من 23 موقعًا وأسفر الهجوم عن ما لا يقل عن 18 قتيلًا.
وقبيل الخامسة وأربعين دقيقة صباحًا، انتقل القصف إلى وسط المدينة، على بعد 1.6 كم جنوب شرق المحطة المركزية، في حي راقٍ يضم مكاتب وشققًا فاخرة. أصاب صاروخ أو مسيّرة مبنى مقابل لمكاتب المجلس الثقافي البريطاني ذات الطوابق الخمسة؛ أدى الانفجار لتحطم جميع نوافذ الواجهة وانهيار الأسقف وإحداث دمار كبير.
بحسب شاهد عيان، خرج سكان الحي إلى الشوارع المليئة بالغبار والزجاج المتناثر، كثير منهم بملابس النوم ومرتدين البطانيات وهم يتصلون بأقاربهم لطمأنتهم. لم يكن هناك هدف عسكري واضح قريب، والأضرار التي لحقت بمبنى المجلس الثقافي البريطاني تجعل من الصدام الدبلوماسي بين بريطانيا وروسيا أمرًا حتميًا.
اقرأ أيضاً
تقارير عن تمرد مزعوم في سجن “أليجاتور ألكاتراز” بفلوريدا: “الكثير من الناس نزفوا”
بين الخوف والتمسك بالوطن
وفي لندن، أقرت مايستروك: «لم أظن أن هذا سيحدث لي»، معربة عن قلقها بشأن مستقبل رضيعتها. وأوضحت أن لديها قريبة تعيش في ضاحية لندنية وقد تستطيع الانتقال إليها لضمان سلامة أسرتها، لكنها رفضت الفكرة قائلة: «وطنيتنا أقوى من خوفنا».