الأياهواسكا والغُربة الروحية: كيف تحولت منظمة للشفاء النفسي إلى طائفة متهمة بالاستغلال؟”
كيف تحوّلت منظمة "Inner Mastery" من وعد بالسلام الداخلي عبر الأياهواسكا إلى اتهامات بالتحكم النفسي والانتهاك العاطفي؟

في عالم يتزايد فيه التوق إلى الشفاء الداخلي والمعنى الأعمق للحياة، تبرز منظمات روحية تعد بتحرير العقول وتهدئة النفوس عبر وسائل بديلة وغير تقليدية. من بين هذه الكيانات، صعد نجم “إينر ماستري” (Inner Mastery) كواحدة من أكثر الحركات إثارة للجدل، يقودها ألبرتو فاريلا، الذي زعم استخدامه لنباتات مقدسة كالأياهواسكا كوسيلة علاجية لمداواة الجراح النفسية.
لكن، ومع توسع نشاط المنظمة وانتشارها، بدأت تتكشف طبقات أكثر قتامة مما كان يُروج له.
نقطة البداية: تجربة داليا مع الأياهواسكا.
في عام 2017، شاركت داليا في أول جلسة لها مع الأياهواسكا في منتجع تابع لـ”إينر ماستري” قرب برشلونة. لم تشعر بشيء في البداية، لكن الجرعة الثانية أحدثت تحولًا عميقًا في وعيها. كانت تمر بفترة حزن على وفاة والدتها.
وكانت تأمل في العثور على عزاء روحي. تصف شعورها وكأن جزءًا منها مات ليولد من جديد، وخرجت من التجربة معتقدة أن المال وهم، وأنها وجدت طريق الخلاص.
وهم العائلة الروحية
لم يمض وقت طويل قبل أن تشعر داليا – مثل غيرها من المشاركين – بأنها أصبحت جزءًا من “عائلة” روحانية. وصف أدريان، أحد الأعضاء القدامى، المجموعة بأنها مأوى “للحملان السوداء”، أي أولئك الذين يشعرون بأنهم غرباء في المجتمع. لكن مع مرور الوقت. بدأت هذه العائلة تأخذ طابعًا أشد تعقيدًا، قائمًا على التبعية النفسية والعاطفية.
الزعيم الكاريزمي: ألبرتو فاريلا
بأسلوب خطابي طاغٍ، قدّم فاريلا نفسه كقائد ملهم، وعرّف “إينر ماستري” بأنها أول شركة متعددة الجنسيات تعتمد على الأياهواسكا.
إلا أن الصورة النقية لهذا الزعيم الروحي كانت تخفي وراءها طموحًا تجاريًا واضحًا. أعاد فاريلا تقديم الطقوس التقليدية بلغة العصر الحديث، مستهدفًا جمهورًا غربيًا متعطشًا للروحانية.
بين الرسالة والتجارة
في أوج نشاطها، كانت المنظمة تدير آلاف المنتجعات سنويًا، وتشغّل أكثر من 130 موظفًا، وتملك أكاديمية تدريب ومنصة بث إلكتروني.
لكن وراء هذه البنية الضخمة، كان الموظفون يعملون لساعات طويلة مقابل أجور متدنية، بينما كان فاريلا يوسّع نطاق نفوذه ويجني الأرباح.
الخطر الكامن في “الشفاء”
مع اتساع رقعة عمل المنظمة، تكررت الحوادث المقلقة. في إحدى الجلسات، فرت امرأة مذعورة، بينما تعرض آخرون لنوبات نفسية حادة.
وفي هولندا، توفي شاب بعد مشاركته في جلسة جمعت بين الأياهواسكا ونبتة إيبوغا، ما استدعى فتح تحقيقات قضائية.
اتهامات متعددة: من التحايل الثقافي إلى الانتهاكات.
واجه فاريلا اتهامات من مجتمعات السكان الأصليين في كولومبيا باستخدام الأياهواسكا دون تفويض شرعي. إلى جانب مزاعم بالتحرش الجنسي واستغلال المشاركين عاطفيًا في إطار ما وصف بـ”العلاج المواجه” الذي اتضح أنه قد يكون مؤذيًا نفسيًا.
الانهيار: سقوط الإمبراطورية الروحية
بحلول عام 2023، وصلت الأمور إلى ذروتها. داهمت الشرطة الإسبانية عدة مقار تابعة للمنظمة، واعتقلت فاريلا و17 من أتباعه المقربين.
لاحقًا، توفي فاريلا بعد صراع مع ورم في الدماغ، تاركًا خلفه منظمة تتخبط وسط اتهامات وتشوهات إعلامية.
إرث “إينر ماستري” بعد فاريلا
ورغم الضربات التي تلقتها، ما زالت “إينر ماستري” تعمل في 13 دولة. غير أن خطابها تغيّر: لم تعد تروّج لنفسها كحركة ذات طابع ديني أو روحاني صارخ.
وتتجنب ذكر مؤسسها في موادها الترويجية، محاولةً إعادة تقديم نفسها في ثوب جديد.
النهاية المفتوحة: تأملات داليا
اليوم، تقول داليا إنها استعادت حياتها، لكنها لا تنكر التأثير القوي لتجربة الأياهواسكا نفسها، بل تُحمّل مسؤولية الخداع لفاريلا.
تقول: “كنت أظن أننا جزء من شيء أسمى، لكن الحقيقة كانت مغايرة تمامًا”. قصتها – كقصص كثيرين – تطرح تساؤلات حادة حول الحدود بين العلاج الروحي والاستغلال، وحول هشاشة الإنسان حين يكون في أمسّ الحاجة للشفاء.
تم تغيير بعض الأسماء حفاظًا على الخصوصية وفقا للجارديان