فايننشال تايمز: إيرباص بين الريادة والتحديات المستقبلية في صناعة الطائرات

مقدمة: من بدايات متواضعة إلى صدارة السوق
في الثمانينيات، شككت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة، مارجريت تاتشر، في قدرة إيرباص على منافسة بوينغ، معتبرة أن الطائرة الجديدة A320 لن تنجح وأن السوق سيظل تحت سيطرة بوينغ. ومع ذلك، وبتمويل حكومي يقارب 250 مليون جنيه إسترليني، أطلقت إيرباص مشروعها للطائرة الصغيرة، الذي أثبت نجاحه عبر العقود التالية، لتصبح A320 أكثر طائرات الركاب شعبية في التاريخ، بعد تسليم أكثر من 12 ألف وحدة حتى الآن، وفقًا لشركة الاستشارات Cirium.
نجاح سلسلة A320 كان حجر الزاوية في صعود إيرباص، حيث تمكنت الشركة الأوروبية من تحقيق 61% من السوق حسب قائمة الطلبات و72% من التسليمات مقارنة ببوينغ في فئة الطائرات ذات الممر الواحد، في حين بقيت بوينغ متقدمة في الطائرات العريضة متعددة الممرات.
الريادة الأوروبية والتحديات الداخلية
على الرغم من النجاح، لم تكن رحلة إيرباص خالية من الصعوبات. فقد واجهت الشركة تدخلات سياسية من حكومات أوروبية، وتأخرت القرارات الاستراتيجية أحيانًا. كما شكلت طائرة A380 العملاقة تجربة تجارية فاشلة، وأدت مشكلات سلسلة الإمداد العالمية وتأجيل تطوير الطائرات الهيدروجينية المخطط لها إلى 2035 إلى انتقادات واسعة.
مع تولي Guillaume Faury منصب الرئيس التنفيذي في 2019، ركزت إيرباص على الابتكار والريادة، مستهدفة إطلاق خليفة A320 بحلول 2030. وأكد فوري على أهمية المخاطرة المحسوبة في المشاريع الجديدة، مع الحفاظ على المرونة التشغيلية لمواجهة تغيرات السوق المستقبلية.
التحديات الإنتاجية بعد جائحة كورونا
أوقفت جائحة كوفيد-19 الإنتاج في 2020، مما أدى إلى تقليص الإنتاج بنحو الثلث، كما فقدت الشركة خبرات عمالية مهمة، وظلت تعاني من اختناقات سلسلة التوريد رغم تعافي الطلب على السفر الجوي. في المقابل، واجهت بوينغ صعوبات أكبر بسبب حوادث 737 Max وأوامر الحظر والقيود الإنتاجية، مما منح إيرباص الصدارة عالميًا على مدار السنوات الست الماضية.
التحدي الأكبر لإيرباص حاليًا هو تسريع إنتاج A320neo، حيث تعتزم زيادة الإنتاج إلى 75 طائرة شهريًا بحلول 2027، في حين تواجه الشركة نقصًا في المحركات التي تنتجها شركات مثل CFM International وPratt & Whitney، إضافة إلى مشاكل متكررة في المتانة.
التوسع العالمي وسلسلة الإمداد
لضمان تلبية الطلب المتزايد، تعمل إيرباص على إضافة خطوط إنتاج نهائية للطائرات في مواقع جديدة، بما في ذلك تيانجين بالصين وموبيال بالولايات المتحدة. كما يتوجب عليها دمج أجزاء من شركة Spirit AeroSystems التي كانت مملوكة لبوينغ سابقًا، خصوصًا العمليات في بلفاست.
تم تكليف Lars Wagner، الرئيس التنفيذي لشركة MTU Aero Engines الألمانية، بتولي إدارة قسم تصنيع الطائرات، مع التركيز على تحقيق الإنتاجية والكفاءة في بيئة صناعية أكثر تعقيدًا مقارنة بما سبق.
قطاع الدفاع والفضاء: تحديات ومزايا
يمثل قسم الدفاع والفضاء حوالي خمس إيرادات إيرباص، ويشمل إنتاج طائرات مقاتلة، طائرات نقل، طائرات بدون طيار، وأقمار صناعية. على الرغم من بعض النجاحات مثل Eurofighter وMBDA، يعاني القسم من ارتفاع التكاليف والمنافسة الأمريكية، ولا يشهد الطلب نفس النمو الذي تشهده قطاعات أخرى مثل المركبات المدرعة.
إلا أن فوري يرى جدوى الاحتفاظ بالقسم، مستشهدًا بالتكامل بين الأعمال المدنية والعسكرية، والابتكار في الأقمار الصناعية والصواريخ. كما يدافع عن التوحيد الصناعي الأوروبي لزيادة التنافسية مع الولايات المتحدة.
التحديات التعاونية: برنامج المقاتلة المستقبلية
أبرز التحديات السياسية والتقنية تكمن في برنامج FCAS للمقاتلة المستقبلية مع Dassault. فقد أدت خلافات حول تقاسم التكنولوجيا وقيادة المشروع والمواصفات إلى مرحلة ركود، في حين تواجه Dassault ضغوطًا من شركائها الأوروبيين لتسريع التطوير، خصوصًا في ظل منافسة برنامج GCAP بمشاركة BAE وLeonardo وMitsubishi اليابانية، والذي يهدف لإطلاق مقاتلة متقدمة بحلول 2035.
التحول البيئي ومستقبل الطائرات
التحدي الأكبر لإيرباص على المدى الطويل يكمن في الحد من انبعاثات الكربون. فالجيل القادم من الطائرات، سواء ذات الممر الواحد أو العريضة، يجب أن يكون ثوريًا في كفاءته الوقودية، وإلا ستفقد الشركة مزاياها التاريخية.
إيرباص تخطط لإطلاق مشروع طائرة جديدة بحلول 2030، مع طرازات مجهزة بمحركات مبتكرة مثل RISE مع مراوح مكشوفة، وتوقعات بتحسين كفاءة الوقود بنسبة 20 إلى 30%. كما تفكر الشركة في تصاميم الأجنحة المدمجة للطائرات العريضة المستقبلية، بينما تبقي على تصميمات أكثر تقليدية للطائرات ذات الممر الواحد.
المنافسة الدولية والعودة المحتملة لبوينغ
إلى جانب بوينغ، تراقب إيرباص باهتمام دخول منافسين جدد، مثل Embraer البرازيلية في سوق الطائرات الأكبر، وComac الصينية التي قد تصبح منافسًا قويًا في العقدين المقبلين مع تطور محركاتها وتقليل الاعتماد على المكونات الأمريكية.
في الوقت ذاته، تقدم الولايات المتحدة دعمًا لبوينغ عبر عقود دفاعية وصفقات تجارية، مما يفرض على إيرباص الحفاظ على المرونة المالية واستغلال دعم الحكومات الأوروبية لتمويل مشاريعها الكبرى.
خلاصة: هل ستستمر الصدارة؟
يواجه قطاع الطيران تحديات متشابكة، من الإنتاج وسلاسل الإمداد، إلى التحول البيئي والمنافسة الدولية. رغم أن إيرباص تتمتع بوضع مالي قوي وريادة تاريخية في سوق الطائرات ذات الممر الواحد، إلا أن استمرارية الصدارة تعتمد على قدرتها على الابتكار، تلبية الطلب بدقة، واحتواء المنافسين الجدد.
كما يقول المحللون، من الصعب تصور فقدان إيرباص لصدارتها الحالية، لكنها يجب أن تبقى يقظة، فبوينغ في طريق التعافي، والصين قد تشكل تهديدًا طويل الأمد، والمستقبل يعتمد على القرارات الاستراتيجية خلال السنوات القادمة، والتي ستحدد موقع الشركة في الأسواق العالمية حتى منتصف القرن.