الولايات المتحدة تفرض عقوبات على مسؤولين بالمحكمة الجنائية الدولية في “هجوم صارخ على استقلاليتها”

في خطوة جديدة تضع واشنطن في مواجهة مباشرة مع إحدى أهم المؤسسات القضائية الدولية، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض عقوبات على أربعة من كبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بينهم قضاة ومدعون عامون. وتبرر الإدارة الأمريكية هذه الإجراءات بأن المحكمة تعمل على ملاحقة مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين من دون موافقة حكوماتهم، في حين ترى المحكمة والأمم المتحدة أن هذه العقوبات تمثل “اعتداءً سافرًا على استقلال القضاء الدولي وتقويضًا لجهود محاسبة مرتكبي جرائم الحرب”.
هذه الخطوة التصعيدية تأتي في سياق سلسلة إجراءات عدائية اتخذتها واشنطن ضد المحكمة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وتعيد إلى الواجهة جدلًا قديمًا حول علاقة الولايات المتحدة بالنظام القضائي الدولي، خاصة وأنها ليست عضوًا في المحكمة. وبينما رحبت إسرائيل بهذه العقوبات معتبرة إياها دفاعًا عن “العدالة والحقيقة”، أعربت دول أوروبية ومنظمات حقوقية عن قلقها البالغ من أن يؤدي هذا المسار إلى إضعاف منظومة العدالة الدولية وإفلات مرتكبي الجرائم من المحاسبة.
تفاصيل العقوبات
شملت العقوبات القاضي الكندية كيمبرلي بروست والفرنسي نيكولا غيّو، إضافة إلى المدعيتين العامتين نزهة شميم خان من فيجي ومام ماندياي نيانغ من السنغال.
تجمّد العقوبات أي أصول قد يمتلكها هؤلاء المسؤولون في الولايات المتحدة، وتمنع أي تعاملات مالية معهم.الخارجية الأمريكية قالت إن بروست وغيّو استهدفا بسبب قرارات سمحت بالتحقيق في قضايا تخص أفغانستان وإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت.أما خان ونيانغ فتمت معاقبتهما لاستمرارهما في التحقيق المتعلق بالحرب في غزة، وبتثبيت مذكرات التوقيف بحق القادة الإسرائيليين.
ردود الفعل الدولية
المحكمة الجنائية الدولية وصفت العقوبات بأنها “هجوم خطير على استقلاليتها” وإهانة لضحايا الجرائم الدولية.
الأمم المتحدة عبرت عن “قلق بالغ”، مؤكدة دعمها الكامل لعمل المحكمة باعتبارها “ركيزة أساسية للعدالة الجنائية الدولية”.
فرنسا، التي كان رئيسها إيمانويل ماكرون في واشنطن قبل يومين من الإعلان، أعربت عن “استياء شديد” واعتبرت القرار مناقضًا لمبدأ استقلال القضاء.
منظمات حقوقية، مثل الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، اعتبرت العقوبات “محاولة ترهيب” واختبارًا حقيقيًا لمصداقية 125 دولة عضوًا في المحكمة.
الموقف الإسرائيلي والأمريكي
رحّب نتنياهو بالخطوة الأمريكية واعتبرها “إجراءً حازمًا ضد حملة التشويه” التي تستهدف إسرائيل والجيش الإسرائيلي.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو شدد على أن بلاده ستواصل اتخاذ “أي إجراءات ضرورية” لحماية سيادتها وجنودها وحلفائها من ما وصفه بـ “تحركات المحكمة غير الشرعية”.
العقوبات الجديدة امتداد لإجراءات مماثلة اتخذتها إدارة ترامب خلال ولايته الأولى، لكنها أُلغيت في عهد جو بايدن عام 2021 قبل أن يُعاد فرضها وتوسيعها الآن.
المراقبون يرون أن هذه المواجهة ليست مجرد نزاع قانوني، بل تعكس صراعًا أعمق بين واشنطن والنظام الدولي متعدد الأطراف حول من يملك حق فرض العدالة على الجرائم الكبرى.