صحف وتقارير

تقرير تحليلي: لماذا من غير المرجح أن تنهي روسيا حرب أوكرانيا رغم الضغوط الأمريكية الهائلة –وهل تهديدات ترامب تفقد تأثيرها ؟

روسيا تستمر في حرب أوكرانيا رغم التهديدات الأميركية: تحليل الأسباب والتداعيات"

رغم التهديدات العلنية من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض مزيد من العقوبات المالية على موسكو إذا لم تُنهِ حربها في أوكرانيا، يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يُبدي أي استعداد للتراجع. أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو قناعة بوتين بأن ميزان القوة الميدانية يميل لصالحه، مدعوماً باقتصاد روسي استطاع التكيف مع العقوبات الغربية، وقدرة بلاده على تجنيد أعداد كبيرة من الجنود في وقت تواجه فيه أوكرانيا أزمة حادة في الموارد البشرية.

هذا التقرير يحلل العوامل التي تمنح روسيا ثقة في مواصلة الحرب، بدءاً من الفجوة في أعداد القوات، مروراً بآليات التجنيد والحوافز المالية، وصولاً إلى دور المرتزقة والمقاتلين الأجانب، وانتهاءً بالأبعاد الاقتصادية التي تدعم المجهود الحربي الروسي.

أزمة القوى البشرية في أوكرانيا مقابل وفرة الجنود في روسيا

منذ فبراير 2022، حظرت أوكرانيا مغادرة أي رجل بين 18 و60 عاماً إلا بإذن خاص، لكن هذا لم يمنع وجود مقاومة واسعة للتجنيد القسري. في المقابل، ورغم الخسائر الكبيرة، تمكنت روسيا من الحفاظ على تدفق مستمر من المجندين.

حتى مايو 2025، بلغ تعداد القوات المسلحة الروسية 3.57 مليون فرد، منهم 1.32 مليون جندي نشط، إضافة إلى مليوني جندي احتياط وربع مليون عنصر شبه عسكري. هذه الأرقام تمثل تضاعف القوة البشرية للجيش الروسي منذ بداية الحرب، وتجعل روسيا رابع أكبر جيش في العالم من حيث العدد، متقدمة على أوكرانيا بفارق 420 ألف جندي نشط.

نجاح حملات التجنيد الروسية

البيانات تشير إلى أن روسيا رفعت معدلات التجنيد بنسبة 22% في الربع الأول من 2025 مقارنة بالفترة نفسها من 2024، بزيادة من 73,366 إلى 89,601 مجند جديد. هذا النجاح لم يقتصر على المواطنين الروس، بل شمل مقاتلين أجانب، وهو ما أثار اتهامات غربية لموسكو باستخدام المرتزقة كجزء من استراتيجيتها العسكرية منذ 2014.

دور المقاتلين الأجانب والمرتزقة

منذ بداية الحرب، أعلنت أوكرانيا انضمام نحو 20 ألف متطوع من 52 دولة إلى صفوفها، بينما قالت روسيا إن 16 ألف مقاتل من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى انضموا إليها. لكن أعداد المقاتلين الأجانب في أوكرانيا تراجعت بوضوح نتيجة الخسائر والأسر.

على الجانب الروسي، استمر استقدام مقاتلين من آسيا الوسطى وسوريا وكوبا والهند ونيبال، حيث تشير التقديرات إلى انضمام آلاف النيباليين. المفاجأة الأبرز كانت إرسال كوريا الشمالية نحو 10 آلاف جندي رسميًا للقتال مع روسيا، وهو تطور اعتبره مراقبون نقطة تحول مهمة في الصراع.

 

التجنيد الإجباري والمحفزات المالية الضخمة

بعيداً عن المرتزقة، تعتمد موسكو بشكل متزايد على الجنود المتعاقدين، مقدمة حوافز مالية ضخمة. تُموَّل هذه الحوافز من الحكومة الفيدرالية ومن ميزانيات الأقاليم، وأحياناً من البلديات.

منذ نوفمبر 2022، قُدمت مكافأة توقيع قدرها 195 ألف روبل، وارتفعت في يوليو 2024 إلى 400 ألف روبل بأمر من بوتين، مع “توصية” للأقاليم بمضاهاة المبلغ على الأقل. بعض الأقاليم الغنية والفقراء على حد سواء تجاوزت هذا الرقم بكثير، مثل إقليم سمارا الذي يدفع حالياً 3.6 مليون روبل كمكافأة إقليمية، ليصل الإجمالي مع المكافأة الفيدرالية إلى 4 ملايين روبل (47 ألف دولار)، وهو ما يعادل خمسة أضعاف متوسط الدخل السنوي هناك.

 

البنية اللامركزية للتجنيد وفعالية النظام

آلية التجنيد اللامركزية — حيث تحدد موسكو الحصص وتترك للأقاليم تحديد حجم الحوافز — سمحت بتحقيق أهداف التجنيد بكفاءة أعلى، لكن مع تفاوتات كبيرة بين الأقاليم. بعض المناطق تكتفي بالحد الأدنى للمكافأة، ما يعكس اكتفاءها بتحقيق الحصص، بينما تدفع أخرى مبالغ ضخمة لجذب المزيد من المتطوعين.

مع ذلك، تثير هذه السياسة تساؤلات حول لياقة المجندين، مع تقارير عن انضمام أعداد متزايدة من الرجال فوق سن الخمسين، وعن أعباء مالية قد تصبح أكثر خطورة إذا تباطأ الاقتصاد الروسي.

 

الاقتصاد كداعم أساسي لمواصلة الحرب

رغم العقوبات، حقق الاقتصاد الروسي نمواً بنسبة 4.3% في 2024، متجاوزاً عدة اقتصادات من مجموعة السبع، مثل كندا وألمانيا والمملكة المتحدة. هذه المرونة الاقتصادية تعني أن الكرملين قادر على تمويل الحوافز الضخمة والحفاظ على الجبهات مكتملة العدد، على الأقل في المدى القريب.

 

الخلاصة: لماذا تهديدات ترامب لا تُحدث أثراً فورياً

في ظل التفوق العددي الميداني، ونجاح نظام الحوافز المالية في جذب مجندين جدد، واستمرار تدفق المقاتلين الأجانب، فضلاً عن اقتصاد يتحدى العقوبات، لا يبدو أن موسكو تشعر بضغط كافٍ للاستجابة لتهديدات ترامب.

ومع أن استمرار الحرب بنفس الوتيرة قد يفرض لاحقاً جولة جديدة من التعبئة الإجبارية، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن روسيا قادرة على الصمود عسكرياً واقتصادياً، ما يجعل إنهاء الحرب في المدى القريب أمراً غير مرجح، حتى مع تصاعد الضغوط الأميركية

اقرا ايضا

هجوم اليوم صفر: دراما تلفزيونيه تضع تايوان أمام كابوس الغزو الصيني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى