عربي وعالمي

“معاداة السامية المستوردة”… نكتة ألمانية بلا إدراك لذاتها

ألمانيا والتناقض الصارخ في مواجهة معاداة السامية بأسلوب مثير

حين يخرج المستشار الألماني فريدريش ميرتس ليصرّح على شاشة “فوكس نيوز” أن موجة معاداة السامية المتصاعدة في بلاده “مستوردة” بسبب “أعداد المهاجرين الكبيرة في السنوات العشر الأخيرة”، لا يبدو أنه يدرك حجم التناقض الصارخ، وربما المضحك، في كلامه. فأن يُلقي حفيدٌ لنازيّ اللوم على “الغرباء” في تدهور سجل ألمانيا الأخلاقي، يبدو وكأنه مشهد هزلي من برنامج ساخر — لولا أن المأساة حقيقية.

ميرتس ليس وحده

قد سبقه هوبيرت آيفانغر، نائب رئيس حكومة بافاريا، الذي أثيرت حوله فضيحة “منشور أوشفيتز” المعادي للسامية الذي قيل إنه كتبه حين كان تلميذًا. لم يُحاسب، بل عاد ليقول لاحقًا إن ألمانيا “استوردت معاداة السامية”. هكذا، ببساطة.

هل حقًا “استوردت” ألمانيا معاداة السامية؟

الكاتبة والناقدة الثقافية ميثو سانيل تفكك هذا الخطاب في مقال لاذع في الغارديان، كاشفةً عن تناقض ألماني عميق: كيف يمكن لبلدٍ كانت معاداة السامية فيه جزءًا مؤسسًا من تاريخه السياسي الحديث — بلغ ذروته في المحرقة — أن يتحدث عن معاداة السامية وكأنها مرض أتى به “الآخرون”؟

ألمانيا لا تحتاج إلى “استيراد” معاداة السامية

فهي منتِج تاريخي لها. ولكن، بدلاً من الاعتراف الجذري بهذا الإرث، تُحوّل الدولة المسألة إلى أزمة مهاجرين، وتحوّل اليهود إلى معيار يُختبر به ولاء الآخر المهاجر، وليس إلى مواطنين متساويين.

الهروب من الذنب بتصديره

سانيل تذكر ما أسمته “مقاولون من الباطن للذنب”، وهو وصف استخدمته الباحثة إسرا أوزيوريك، لفكرة أن ألمانيا تُحمّل الأجانب مسؤولية استكمال مشروعها التربوي حول “عدم تكرار الهولوكوست”، لكنها لا تتيح لهم الانتماء الكامل.

فالمهاجر، حتى لو وُلد في ألمانيا، يُعامل كأنه “ضيف” يحتاج إلى إثبات أنه لا يحمل معاداة للسامية. وهذا لا ينطبق على الألمان البيض من ذوي الخلفية التاريخية النازية، الذين لا يُطلب منهم الشيء ذاته.

المفارقة الألمانية: ممنوع الاحتجاج… إلا إذا كنت ضد الفلسطينيين

في السنوات الأخيرة، بلغ التناقض مستويات صارخة:

منع رفع لافتات كُتب عليها “يهود ضد الإبادة الجماعية”

اعتقال فلسطينيين وأوروبيين لمجرد الحديث بلغات “غير مفهومة” في احتجاجات

صدور قرار من البرلمان الألماني عنوانه “لن يتكرر أبدًا – الآن” لمحاربة معاداة السامية… دون أن يذكر هجوم هاله اليميني على معبد يهودي في 2019!

وبدلاً من مواجهة العنف اليميني المتصاعد (الذي يُشكّل 85% من حالات العنف المعادي للسامية بحسب الإحصاءات)، يُقترح تشديد قوانين اللجوء والجنسية كحلّ لهذه الظاهرة.

المفارقة الأعمق: تصدير معاداة السامية… لا استيرادها

ربما تكون الخلاصة الأكثر إثارة للسخرية، كما تقول الكاتبة، أن “الكثير من الذين يُتّهمون اليوم بجلب معاداة السامية إلى ألمانيا، أجدادهم قاتلوا النازيين ضمن قوات الحلفاء”.

بل إن الأفكار المعادية لليهود — من “نظرية المؤامرة اليهودية العالمية” إلى رموز “البروتوكولات” — لم تكن جزءًا أصيلًا من الثقافة العربية أو الإسلامية، بل تسللت إليها عبر الاستعمار الأوروبي والفاشية النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

لذا، فبدل الحديث عن “استيراد” معاداة السامية، ربما يجب الاعتراف بأن أوروبا قد صدّرت معاداتها إلى العالم، ثم عادت لتدين العالم بها.

خلاصة تحليلية:

تلخطاب الرسمي الألماني الحالي يستخدم معاداة السامية كأداة لإقصاء “الآخر”، لا لمواجهتها جذريًا.

اليمين الألماني يبرئ نفسه من تاريخه عبر شيطنة المهاجر، في مفارقة تاريخية تخلو من أي وعي.

ألمانيا بحاجة إلى مراجعة علاقتها بذاكرتها، لا إلى تحميل اللاجئين وزر ماضيها

اقرا ايضا 

أوروبا لا تحتاج إلى الاختيار بين «الدبابات» و«الخبز».. هناك طريق ثالث 

نيرة احمد

نيرة أحمد صحفية مصرية تحت التدريب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى