صحف وتقارير

تقرير: الولايات المتحدة تدخل مرحلة الحكم

أثار تصرف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب موجة من القلق داخل الولايات المتحدة وخارجها، وسط مؤشرات متصاعدة على توجهه نحو سلطوية غير مسبوقة. تصرفاته، التي توصف أحيانًا بالديكتاتورية، أصبحت يومية وواضحة لدرجة تجعل الأمريكيين والمراقبين العالميين يقللون من خطورتها ظنًا منهم أنها مبالغة أو مجرد عروض سياسية، بينما الواقع يشير إلى تآكل مستمر للمؤسسات الديمقراطية في البلاد.

الحضور العسكري في المدن الأمريكية 

 

في خطوة اعتبرت تصعيدًا غير مسبوق، نشر ترامب حرسًا وطنيًا يبلغ عددهم 2000 جندي في شوارع العاصمة واشنطن، بذريعة مكافحة الجريمة، رغم أن معدلات العنف في المدينة كانت في أدنى مستوياتها منذ 30 عامًا.

التهديد لم يقتصر على واشنطن، بل أعلن الرئيس أن مدنًا أخرى مثل شيكاغو وبالتيمور قد تكون التالية، بعد تدخل الحرس الوطني والبحرية الأمريكية في لوس أنجلوس لإخماد احتجاجات على سياسات الهجرة، حيث شهدت المدينة حالات اختطاف متكررة لأفراد من قبل عناصر وكالة الهجرة الأمريكية، وفقًا لوصف المعارضة.

تجدر الإشارة إلى أن هذه المدن تدار عادةً من قبل ديمقراطيين ولها تجمعات سكانية كبيرة من السود، ما يطرح شبهة أن الهدف هو السيطرة على مراكز المعارضة السياسية وليس حماية المواطنين.

هجوم على المؤسسات والمنافسين

ترامب اتخذ سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى تجميع السلطة في يده، بما في ذلك الهجمات على الإعلام، والمحاكم، والجامعات، والموظفين الفيدراليين. آخر الأمثلة، كانت مداهمة منزل ومكتب جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق، بالإضافة إلى التلميحات المقلقة حول استهداف كريس كريستي، الحاكم السابق لولاية نيوجيرسي.

كما حاول ترامب إقالة ليزا كوك من مجلس الاحتياطي الفيدرالي بتهم غير مثبتة، وهو تحرك ينطوي على انتهاك محتمل للقوانين الأمريكية، ويشير إلى رغبة الرئيس في التحكم في السياسات الاقتصادية والمالية بعيدًا عن الرقابة المستقلة للبنك المركزي، تحت ذريعة أنه “يمثل إرادة الشعب”.

استراتيجيات سياسية لتعطيل المعارضة

تعمل إدارة ترامب على عرقلة المكاسب الديمقراطية المحتملة من خلال تعديل دوائر انتخابية في تكساس، ما أعطاهم خمسة مقاعد آمنة إضافية في مجلس النواب، في خطوة توصف بأنها تلاعب انتخابي مبرمج (gerrymandering).

في الوقت نفسه، أعاد الرئيس الأمريكي التحريض ضد التصويت عبر البريد وزعم مزيفًا وجود تزوير واسع، كما طالب بإحصاء سكاني جديد يستبعد المهاجرين غير النظاميين، في محاولة لضمان أولوية انتخابية للحزب الجمهوري وتقويض أي انتصار ديمقراطي محتمل.

تغييب التوازن الدستوري

التحليل الواضح لما يجري يشير إلى أن ترامب يسعى إلى إلغاء مبدأ فصل السلطات، وفرض السيطرة الفردية على جميع مؤسسات الدولة، بما في ذلك السلطات القضائية والتنظيمية، وهو ما يضع الولايات المتحدة في مسار سلطوي غير متحكم فيه (unconsolidated authoritarianism) يشبه التحولات التي شهدتها دول مثل المجر.

التصريحات العلنية لمستشاري ترامب، مثل ستيفن ميلر، التي تصف الحزب الديمقراطي بأنه “منظمة متطرفة داخلية”، تؤكد أن الإدارة تعمل على إلغاء المنافسة السياسية الشرعية وتوحيد السلطة ضمن الحزب الحاكم بقيادة ترامب.

التداعيات الداخلية والخارجية

تصرفات ترامب لم تعد قضية داخلية فقط، بل لها انعكاسات استراتيجية عالمية. الولايات المتحدة التي كانت تُعد نموذجًا للديمقراطية المستقرة منذ الحرب العالمية الثانية، تواجه الآن إعادة تقييم من قبل حلفائها الأوروبيين والبريطانيين. هذه التحولات تضع العالم أمام واقع جديد، حيث لم يعد بالإمكان افتراض استمرارية النظام الديمقراطي الأمريكي كما كان معتادًا.

الخلاصة: الطريق نحو الاستبداد واضح

ما يحدث اليوم في الولايات المتحدة ليس مجرد انحراف سياسي مؤقت، بل مسار مستمر نحو التركيز السلطوي للسلطة في يد رئيس واحد. الإجراءات اليومية، بدءًا من نشر الحرس الوطني، مرورًا بالتحكم في البنك المركزي، وانتهاءً بتقويض المؤسسات الديمقراطية والانتخابات، تشكل نمطًا واضحًا للسلطوية.

كما يؤكد المحللون، على الرغم من صعوبة التصديق بالنسبة للكثيرين، فإن الولايات المتحدة تدخل مرحلة غير مسبوقة في تاريخها الحديث، ما يستدعي إعادة النظر في العلاقة الاستراتيجية مع العالم كله، مع الاعتراف بأن “ما يحدث هنا يمكن أن يحدث”، وأنه بالفعل يحدث الآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى