تقرير: تصريحات ترامب حول “احتياطيات النفط الضخمة” تُربك باكستان

في خطوة مفاجئة أثارت جدلاً واسعًا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وجود ما وصفه بـ”احتياطيات نفطية ضخمة” في باكستان، التي تعتمد على استيراد نحو 80% من حاجتها من الوقود النفطي. الإعلان جاء ضمن اتفاقية تجارية جديدة بين واشنطن وإسلام آباد، تضمنت خفض الرسوم الجمركية على باكستان بنسبة 10 نقاط مئوية لتصبح 19%، لكنها أثارت استغراب الخبراء والمسؤولين في صناعة النفط والغاز الباكستانية، الذين اعتبروا تصريح ترامب “خارجيًا وغير دقيق”.
مسؤول في شركة نفط وغاز باكستانية مملوكة للدولة وصف التصريحات بأنها “تمامًا من خارج السياق”، بينما أكد آخر أن لا وجود لأي حقل نفطي مجهول قادر على إنتاج مليار برميل.
سياق التحركات الأمريكية
منذ توليه المنصب، سعى ترامب لعقد سلسلة من الصفقات المتعلقة بالموارد الطبيعية مع دول حول العالم، مستغلاً رغبتها في الحصول على دعم أمريكي. فسبق أن أشار إلى أن أوكرانيا تمتلك موارد معدنية بقيمة تصل إلى 500 مليار دولار، بينما قدمت جمهورية الكونغو اتفاقيات تتعلق بالليثيوم والكوبالت لجذب الدعم الأمريكي في مواجهة التمرد المدعوم من رواندا.
ومع باكستان، تأتي هذه التصريحات في إطار محاولة جذب استثمارات أمريكية لتطوير الموارد الطبيعية، رغم تحذيرات الخبراء من ارتفاع تكاليف الاستثمار الأولية، وعدم استقرار الوضع السياسي، وضعف البنية التحتية والإطار التنظيمي في البلاد.
الوضع النفطي الفعلي في باكستان
إنتاج باكستان النفطي منخفض نسبيًا، حيث أنتجت البلاد حوالي 66 ألف برميل يوميًا خلال العام الماضي، مقارنة بدول مثل فيتنام والهند، ما يجعل احتمالية تصدير النفط بعيد المنال في الوقت الحالي.
تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية قبل عقد من الزمن تشير إلى أن حوض السند السفلي قد يحتوي على أكثر من 9 مليارات برميل من النفط الصخري، كما قدرت احتياطيات الغاز الطبيعي بحوالي 105 تريليونات قدم مكعب. إلا أن هذه التقديرات تعتمد على بيانات مسح زلزالي أولي وليست نتائج مؤكدة على أرض الواقع، بحسب شركة الاستشارات Rystad Energy، حيث ما زالت هذه الموارد بعيدة عن الجدوى التجارية لسنوات عديدة.
الديناميكيات السياسية والاقتصادية
الاتفاقية التجارية الأخيرة بين واشنطن وإسلام آباد شكلت نصرًا دبلوماسيًا للجيش والحكومة العسكرية المدعومة بقيادة رئيس الوزراء شهباز شريف، خصوصًا مع تقديم الحكومة الباكستانية تسهيلات مرتبطة بالعملات الرقمية والمعادن الحيوية.
وقال وزير البترول الباكستاني علي بيرفيز مالك إن الاتفاقية قد تساعد على إقناع شركة نفط أمريكية بالمشاركة في جولة عروض بحرية في أكتوبر، وتحفيز الاهتمام الدولي بما يقارب 30 قطعة برية محتملة للتنقيب. رغم ذلك، لم يتم الكشف عن أسماء الشركات المعنية.
التحديات الأمنية والجغرافية
جزء كبير من النفط والغاز في باكستان يقع تحت إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا، حيث تعرّضت منشآت أجنبية لهجمات تمردية أدت إلى مقتل موظفين صينيين، في محاولة لإبعاد الاستثمارات الأجنبية. هذه العوامل تجعل استكشاف واستخراج الموارد محفوفًا بالمخاطر، ويزيد من تكلفة ومدة تطوير المشاريع النفطية.
ردود الفعل المحلية والدولية
تصريحات ترامب واجهت سخرية واسعة بين الباكستانيين، الذين تداولوا صورًا على وسائل التواصل الاجتماعي لقصاصات زيت نباتي في الشوارع، في إشارة ساخرة إلى خلط الرئيس الأمريكي بين الزيوت الغذائية والوقود الأحفوري.
وليس ترامب أول من يعلق آماله على النفط في باكستان؛ ففي مايو 2019، أعلن رئيس الوزراء السابق عمران خان عن مشروع استكشاف بحري بقيادة تحالف إيطالي-أمريكي، مشيرًا إلى إمكانية القضاء على فاتورة استيراد الوقود في البلاد “لـ50 عامًا”، إلا أن البئر أُغلِق بعد اكتشاف المياه فقط، وغادرت شركات النفط الغربية البلاد بعد ذلك.
وقال رئيس الوزراء ووزير البترول السابق شاهد خاقان عباسي: “لا يمكن القول إن لدينا احتياطيات نفطية ضخمة قبل اكتشافها فعليًا، وأحدث محاولات التنقيب البحرية لم تسفر عن نتائج”. لكنه أضاف أن الدعوة لاستكشاف المزيد مرحب بها، معتبرًا أن استثمارات أمريكية محتملة قد تساعد باكستان على اكتشاف حقول جديدة.
الخلاصة: بين الطموح والواقع
تصريحات ترامب حول الاحتياطيات النفطية الباكستانية تعكس سياقًا سياسيًا واستراتيجيًا أكثر من كونه واقعًا اقتصاديًا، حيث تهدف إلى فتح الأبواب أمام الاستثمارات الأمريكية وتعزيز النفوذ في جنوب آسيا.
ورغم أن باكستان تمتلك إمكانات محتملة من النفط والغاز الصخري، إلا أن العوائق التقنية، والسياسية، والأمنية، والبنية التحتية تجعل تحقيق جدوى تجارية مستدامة أمرًا بعيد المدى. ما يبرز هو أن الطموحات الأمريكية والباكستانية ستظل مرتبطة بمخاطر عالية واستثمارات طويلة الأجل، مع استمرار الجدل حول حجم الاحتياطيات الحقيقية وما إذا كان بالإمكان تحويلها إلى إنتاج تجاري ملموس.
اقرأ أيضاً: