دبلوماسية الزوارق الحربية الأمريكية تجاه فنزويلا: استعراض قوة أم تمهيد لغزو؟

تشهد سواحل أمريكا اللاتينية توترًا متصاعدًا مع اقتراب ثلاث سفن حربية أمريكية، تحمل صواريخ كروز ومشاة بحرية، من الشواطئ الفنزويلية. هذا التحرك العسكري المفاجئ أعاد إلى الأذهان سيناريوهات التدخلات العسكرية الأمريكية السابقة في المنطقة، أبرزها غزو بنما عام 1989 للإطاحة بالديكتاتور مانويل نورييغا. إلا أن التساؤل الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما يجري مجرد استعراض قوة ورسالة ردع، أم مقدمة فعلية لعملية عسكرية تهدف إلى الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو؟
خطاب تعبوي في كاراكاس
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لم يتردد في الرد على الخطوة الأمريكية بخطاب ناري، مؤكدًا أن “لا أحد سيمس أرض فنزويلا”. ودعا أنصاره إلى الانضمام إلى “الميليشيا البوليفارية” للدفاع عن الوطن ضد ما وصفه بـ”مؤامرة إمبريالية” جديدة تستهدف تغيير النظام بالقوة، على غرار الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
من جانب آخر، انبرى حلفاء الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى إطلاق تصريحات تصعيدية عبر منصات التواصل الاجتماعي. مستشاره السابق للأمن القومي، مايكل فلين، خاطب مادورو قائلًا إن “أيامك معدودة” ونصحه بشراء “تذكرة ذهاب بلا عودة إلى موسكو”. أما النائب الجمهوري كارلوس خيمينيز فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن وجود “أكبر قوة عسكرية أمريكية قبالة سواحل فنزويلا” إشارة واضحة إلى أن “وقت مادورو قد انتهى”.
بين التهديد والواقع العسكري
ورغم اللهجة العدائية والتصعيد الإعلامي، فإن معظم الخبراء والمتخصصين في شؤون أمريكا اللاتينية يستبعدون أن تكون فنزويلا على وشك التعرض لعملية عسكرية واسعة النطاق. الباحث كريستوفر ساباتيني من “تشاتام هاوس” وصف التحركات بأنها “مسرحية من الطرفين”، مؤكدًا أن قوة قوامها 4500 جندي لا يمكنها غزو بلد يتميز بتضاريس صعبة تشمل جبالًا وغابات كثيفة ومدنًا كبرى.
الموقف ذاته تبناه السفير الأمريكي السابق في فنزويلا جيمس ستوري، الذي أوضح أن الحشد البحري أقرب إلى “إظهار القوة” منه إلى “استخدامها فعليًا”. وأضاف أن واشنطن قادرة على تنفيذ ضربات صاروخية دقيقة، مثل استهداف قاعدة “فويرتي تيونا” حيث يُعتقد أن مادورو يقيم، من دون الحاجة إلى عرض عسكري ostentatious بهذا الحجم.
الغطاء الرسمي: مكافحة المخدرات
رسميًا، تبرر واشنطن وجودها العسكري بأنه جزء من عمليات مكافحة تهريب المخدرات في الكاريبي. وتتهم الإدارة الأمريكية الرئيس مادورو بالوقوف على رأس “كارتل دي لوس سوليس”، وهي شبكة يُزعم أنها متورطة في تهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة. وفي خطوة لافتة، أعلنت واشنطن مكافأة قدرها 50 مليون دولار مقابل القبض على مادورو، أي ضعف القيمة التي رُصدت لزعيم القاعدة أسامة بن لادن في وقت سابق.
كما وقع ترامب في يوليو الماضي توجيهًا سريًا يجيز استخدام القوة العسكرية ضد الكارتلات المصنفة كـ”منظمات إرهابية”، ومن بينها المجموعة الفنزويلية المذكورة.
الهدف الحقيقي: الحرب النفسية
غير أن كثيرًا من المحللين يرون أن الغاية الأساسية ليست التدخل العسكري المباشر، بل ممارسة ضغوط نفسية وسياسية على النظام الفنزويلي. ساباتيني اعتبر أن ما يحدث هو محاولة لزعزعة ولاء الدائرة الضيقة المحيطة بمادورو ودفعها إلى الانشقاق. لكنه شدد على أن هذه “الحرب النفسية” ليست جديدة، فقد سبق أن جُرّبت عام 2019 عندما حاولت إدارة ترامب تحفيز انقلاب داخلي عبر العقوبات والتهديدات، لكنها باءت بالفشل.
دروس الماضي وحسابات الحاضر
بعد ست سنوات من تلك المحاولة، لا يزال مادورو في الحكم، بل أقوى من قبل بعدما تمكن من انتزاع فترة رئاسية ثالثة في انتخابات اعتبرتها المعارضة مزورة. بالنسبة للدبلوماسي الأمريكي المخضرم توماس شانون، فإن ترامب يدرك جيدًا أن “الجهود السابقة لتغيير النظام باءت بفشل ذريع”، وهو ما يفسر تحوله بداية ولايته الثانية إلى سياسة أكثر مرونة تضمنت إرسال مبعوث خاص للتفاوض مع مادورو والإبقاء على تراخيص تسمح لشركات أمريكية كـ”شيفرون” بالعمل في قطاع النفط الفنزويلي.
لكن الاعتبارات الداخلية في واشنطن سرعان ما دفعت ترامب إلى تغيير نبرته. فمع حاجته لدعم الجمهوريين المتشددين لتمرير مشروعه الضريبي، لجأ الرئيس الأمريكي إلى خطاب أكثر عدوانية تجاه فنزويلا، ما أفضى إلى نشر السفن الحربية قبالة سواحلها.
مخاطر الحسابات الخاطئة
ورغم أن معظم المؤشرات توحي بأن الأمر لا يتعدى استعراضًا للقوة، إلا أن وجود قوات بهذا الحجم في منطقة متوترة يظل محفوفًا بالمخاطر. فاحتمال وقوع حادث أو خطأ في الحسابات العسكرية يبقى قائمًا، وهو ما قد يشعل مواجهة غير محسوبة العواقب.
شانون نفسه حذر من هذا السيناريو، معتبرًا أن “الخطر يكمن في أنه عندما تنشر قوة عسكرية بهذا الشكل، فإن احتمال انزلاق الأمور إلى مواجهة يصبح كبيرًا”.
موقف الداخل الفنزويلي
على الأرض، تبدو شوارع كاراكاس هادئة، دون مؤشرات على أن البلاد تقف على حافة مواجهة كبرى. مواطنون كُثر يرون أن مادورو باقٍ في السلطة وأن التصعيد الأمريكي لن يغيّر شيئًا جوهريًا في المعادلة. شاب فنزويلي يُدعى هيدالغو، في الثلاثينات من عمره، عبّر عن أمله في حل سياسي سلمي للأزمة المستمرة منذ سنوات، محذرًا من أن “التاريخ يعلمنا أن مثل هذه الصراعات لا تنتهي إلا بالفوضى، وأن الأبرياء هم من يدفعون الثمن في النهاية”.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن دبلوماسية “الزوارق الحربية” الأمريكية تجاه فنزويلا تبدو حتى الآن أقرب إلى استراتيجية ضغط نفسي واستعراض قوة أكثر من كونها تمهيدًا لغزو شامل. ومع ذلك، فإن استمرار هذا التوتر يفتح الباب أمام مخاطر سوء التقدير، في منطقة عانت طويلًا من التدخلات الخارجية والصراعات السياسية المزمنة.