مرأة ومنوعات

جدتي وحلم العمل في أميركا

قضت جدتي حياتها كلّها تعمل مع جدي في متجر صغير للأحذية في حي برونكس. كانت علاقتها بعملها – وبموسم تخفيضات عيد العمّال – تعكس صورة من أميركا التي نشعر اليوم أنها مهددة بالزوال.

 

من الهروب إلى العمل

هربت جدتي من أوروبا مع بدايات محرقة الهولوكوست، بعدما فقدت بعض إخوتها ووالديها. وفي الولايات المتحدة، عملت بلا كلل، تقيس الأحذية للزبائن وتدّخر من دخلها القليل حتى استطاعت أن تموّل تعليمي الجامعي، بل وأن تأخذني معها إلى متاجر مانهاتن الكبرى في مواسم التخفيضات.

 

متاجر الأحلام التي أغلقت

كنا نفتش معاً في صناديق الملابس المخفضة، ونتجاوز بمرح بائعات العطور. تجربة التسوّق تلك لم تكن مجرد شراء، بل كانت وعداً بنوع من الحراك الاجتماعي، نسخة من “الحلم الأميركي” الذي اندثر، تماماً مثل المتاجر التي أحبّتها جدتي كـ Gimbel’s و B. Altman’s. حتى في عمر الـ105، كانت تحفظ أسماء تلك المتاجر وتعدّدها معي في آخر حديث بيننا، وهي تتحسر على اختفائها.

 

الحلم الأميركي في تراجع

نشأت على إيمان بأن الاجتهاد في الدراسة والعمل الجاد كفيل بتوسيع الفرص، ليس لي فقط، بل لأحفاد المهاجرين مثل جدتي. وبالفعل، جيل الأربعينيات عاش صعوداً اقتصادياً واضحاً (92% تخطّوا مستوى أهلهم). لكن جيلي – مواليد الثمانينيات – انخفضت النسبة إلى النصف فقط. واليوم، ثلث الأميركيين يرون أن أوضاعهم المالية ساءت خلال العام الماضي، خصوصاً ذوي الدخل المحدود. أما المهاجرون، فصاروا يعيشون قلق الترحيل المستمر.

 

سوسيولوجيا التسوّق

كما تقول المؤرخة صوفيا روزنفيلد في كتابها عصر الاختيار، فإن التسوّق كان رمزاً لـ “امتلاك الخيارات واتخاذها”، وهو ما منح – خاصة النساء – إحساساً بحريّة عصرية، وإن كانت وهماً. بالنسبة لي ولجدتي، كانت المسارح والمكتبات والمتاجر جزءاً من رحلتنا الشخصية في البحث عن معنى الحرية.

 

من متعة الاختيار إلى الاستهلاك الجارف

كبرت لأكتشف أن متعة “اختيار” ما نشتريه تحوّلت إلى استهلاك جارف واستغلال وظيفي. اختفت المتاجر الساحرة ذات النوافذ الذهبية، وحلّت مكانها عمالقة مثل أمازون وولمارت وتارغت، حيث العروض على مدار العام، لكن على حساب ظروف عمل متدهورة. لم تعد تخفيضات عيد العمّال مرتبطة بكرامة العامل كما كانت، بل تحوّلت إلى وسيلة إلهاء.

 

ما بين الحنين والنقد

أنا أفهم لذة الاستهلاك كما أفهم مخاطره. أحببت المتاجر القديمة وزخرفتها المهيبة، وأقدّر المعنى الاجتماعي للتخفيضات، خاصة للفقراء. لكنني أيضاً أدرك أن هذه العروض قد تُبعدنا عن جوهر عيد العمّال – أي الحركة العمالية وحقوق العمال. لذلك أتعاطف مع حملات مثل “يوم بلا شراء”.

 

ذاكرة مشتركة

ومع كل ذلك، تبقى التخفيضات – بذكرياتها – مرتبطة عندي بعاطفة خاصة. ففي آخر محادثة لي مع جدتي، استعدنا معاً أسماء المتاجر التي أُغلقت، واحداً تلو الآخر، كأننا نودّعها مرة أخرى.

 

إقرأ أيضا:

دبلوماسية الزوارق الحربية الأمريكية تجاه فنزويلا: استعراض قوة أم تمهيد لغزو؟

إسراء حموده ابوالعنين

إسراء أبو العنين صحفية مصرية «تحت التمرين»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى