اليابان وتجربة الهجرة المتعثّرة: هل ينجو «النموذج الياباني» قبل فوات الأوان؟

تقف اليابان اليوم أمام مفارقة حادّة: اقتصاد يحتاج بشدّة إلى أيدٍ عاملة مهاجرة شابة، ومشهد سياسي يزداد فيه صعود الخطاب المعادي للأجانب. وبين هذين القطبين، تتأرجح واحدة من أكثر تجارب الهجرة تنظيمًا وابتكارًا في الدول المتقدّمة… لكنها مهددة بالتوقف قبل أن تؤتي ثمارها.
تاتايتشي إلى السلطة: صعود سياسي على موجة رفض المهاجرين
وصول سناي تاتايتشي إلى رئاسة الوزراء كأول سيدة تتولى هذا المنصب في تاريخ اليابان لم يكن حدثًا رمزيًا فقط، بل جاء على خلفية تحولات سياسية عميقة.
خلال حملتها، تبنّت تاتايتشي خطابًا أكثر تشددًا تجاه الهجرة، في محاولة لاستمالة المحافظين واليمين الشعبوي، بعد صعود أحزاب متطرفة مثل حزب “سانسيتو” بشعار “اليابان أولاً” وخطاب مناهض للمهاجرين.
رغم أن الأجانب لا يشكلون سوى نحو 3% من سكان اليابان – أقل نسبة بين الاقتصادات المتقدمة – فإن صورتهم في المخيال العام تبدو أكبر بكثير، بسبب حملات إعلامية وسياسية حمّلتهم مسؤوليات مبالغًا فيها:
جرائم، استنزاف لنظام الرفاه، وتشويه للثقافة اليابانية، خاصة مع تزايد أعداد السائحين والمقيمين الأجانب خلال العقد الأخير.
أزمة ديموغرافية خانقة… وحاجة لا يمكن إنكارها للمهاجرين
في الخلفية، تواجه اليابان واحدة من أعمق الأزمات الديموغرافية في العالم:
تراجع مستمر في عدد السكان في سنّ العمل منذ ثلاثة عقود.
مجتمع يشيخ بسرعة، بما يضغط على أنظمة الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية.
في المقابل، يتمتع المقيمون الأجانب بمتوسط عمر أصغر بكثير من اليابانيين، ما يجعل مساهمتهم الاقتصادية والضريبية أعلى من وزنهم العددي.
اقتصاديًا، أصبح واضحًا أن استمرار النمو – أو حتى تجنب التراجع الحاد – يتطلب التوسّع في استقطاب العمالة الأجنبية، خصوصًا في القطاعات الخدمية واليدوية مثل:
الزراعة، التصنيع، الرعاية طويلة الأمد، البناء، والضيافة.
من «التدريب التقني» إلى «العمالة الماهرة»: تحوّل تدريجي في سياسة الهجرة
على مدار عقود، تهرّبت الحكومات اليابانية المتعاقبة من الاعتراف الرسمي بأنها تستقبل “عمالة مهاجرة”، واختبأت وراء برامج تحمل أسماء تقنية أو إنمائية.
1. برنامج المتدربين الفنيين (من 1993)
قدّم على أنه برنامج “مساعدة تنموية” لدول نامية.
في الواقع، استخدم كقناة لاستقدام مئات الآلاف من الشباب من دول آسيوية للعمل في:
المزارع
المصانع
دور الرعاية
كانوا يُسمّون “متدربين” أو “متدربين فنيين”:
يحصلون غالبًا على الحد الأدنى للأجور.
يُحظر عليهم تغيير صاحب العمل.
وُجّهت انتقادات واسعة للبرنامج بسبب الانتهاكات، ضعف الحماية، وسوء ظروف العمل.
2. تأشيرة «العمالة الماهرة المحددة» SSW (من 2019)
تحت ضغط الاحتياجات الاقتصادية والفضائح الحقوقية، اعترفت طوكيو لأول مرة رسميًا بأنها تحتاج إلى عمالة أجنبية في القطاعات “الزرقاء الياقات”:
أُطلقت تأشيرة Specified Skilled Worker – SSW.
سمحت باستقدام عمال أجانب إلى قطاعات محددة تواجه نقصًا حادًا في اليد العاملة.
ارتبطت التأشيرة باجتياز اختبارات مهنية ولغوية، لكنها بقيت محدودة زمنيًا ومتدرجة في الحقوق.
3. برنامج «التوظيف من أجل تطوير المهارات» ESDP (ابتداءً من 2027)
في 2024، أقر البرلمان الياباني إصلاحات شاملة ستغيّر شكل الهجرة العملية، أهمها:
استبدال برنامج المتدربين الفنيين ببرنامج جديد: Employment for Skill Development Program – ESDP.
مدته 3 سنوات، هدفه:
ليس فقط “تدريب” الأجانب ثم إعادتهم لبلدانهم،
بل إعدادهم للبقاء طويلًا في سوق العمل الياباني، ضمن مسار تدريجي وواضح.
مسار الهجرة التدريبي الجديد:
مرحلة ESDP (3 سنوات تقريبًا)
تدريب منظم في قطاعات مثل: الزراعة، التصنيع الغذائي، البناء.
بعد عام أو عامين، يمكن للعامل تغيير صاحب العمل داخل نفس القطاع، في سابقة مهمة مقارنة بالبرنامج القديم.
الانتقال إلى SSW – المستوى الأول
بعد إتمام برنامج ESDP بنجاح، يمكن للعامل الحصول على تأشيرة SSW لمدة تصل إلى 5 سنوات، مع حقوق عمل أوسع.
SSW – المستوى الثاني
لمن يجتازون اختبارات مهنية متقدمة في القطاع.
يمنح:
تجديدًا غير محدود للتأشيرة
حق لمّ الشمل العائلي
مسارًا إلى الإقامة الدائمة.
الحكومة أعلنت هدفًا طموحًا:
استقبال حتى 820 ألف عامل أجنبي ضمن نظام SSW بحلول نهاية العقد – أي أكثر من ضعف مَن دخلوا عبر هذا النظام بين 2019 و2023.
نموذج «التدريب أولاً»: فلسفة يابانية خاصة للهجرة
على عكس كثير من الدول الغربية التي تعتمد نموذج “اختيار المهارات عند الحدود” (نقاط، شهادات، خبرات مسبقة)، تعتمد اليابان نموذجًا مختلفًا:
لا تركز فقط على ما يحمله المهاجر من مؤهلات عند دخوله.
بل على ما يمكن أن يكتسبه ويتكيف معه بعد وصوله.
ملامح هذا النموذج:
جذوره في ثقافة الشركات اليابانية التي توظف الخريجين بناء على “القابلية للتعلم والالتزام” أكثر من تخصصهم الجامعي.
يتم “تشكيل” العامل داخل الشركة، عبر:
تدريب طويل الأمد
تدوير وظيفي
غرس قيم العمل اليابانية والانضباط المؤسسي.
هذه الفلسفة امتدت إلى الهجرة:
يُستقدَم العامل الأجنبي في البداية بصفة “متدرب” أو “عامل بسيط”.
ثم يُختبر سلوكه، قدرته على التكيّف، واستيعابه للثقافة المؤسسية.
بعدها يُفتح له المسار التدريجي نحو إقامة أطول واستقرار أكبر.
الطلاب الأجانب: ركيزة استراتيجية في سياسة استقطاب الكفاءات
ضمن النموذج نفسه، ركزت اليابان بقوة على الطلاب الدوليين:
يحصل خريجو الجامعات اليابانية من الأجانب على:
تأشيرة بحث عن عمل لمدة سنة.
تسهيلات في شروط تأشيرات “العمالة المتخصصة” البيضاء الياقات (IT، التسويق العالمي، الهندسة…).
الشركات اليابانية ترى في هؤلاء:
أشخاصًا يتقنون اللغة والثقافة اليابانية بدرجة معقولة.
يمتلكون في الوقت نفسه لغات ومهارات ثقافية دولية.
في 2023:
أكثر من نصف الطلبة الأجانب الباحثين عن عمل في اليابان حصلوا على عرض توظيف واحد على الأقل – وهي أعلى نسبة منذ سنوات.
شركات التصنيع والتكنولوجيا وغيرها بدأت تعتمد عليهم لسد فجوات في تخصصات حيوية.
مزايا النموذج… وحدوده الخطيرة
أولًا: المزايا
توسيع قاعدة الداخلين:
خفض متطلبات المهارات عند الدخول يسمح بجذب عدد أكبر من المتقدمين.
تقليل “هدر الكفاءات”:
بدلاً من أن يعمل طبيب مهاجر كسائق تاكسي بسبب عوائق اللغة والمؤسسات – كما يحدث في بعض الدول –
يتم تدريب المهاجر من البداية وفقًا لاحتياجات الشركات، ما يقلل الفارق بين مؤهلاته ووظيفته.
تهدئة المخاوف المجتمعية:
النموذج التدريجي يمنح المجتمع الوقت الكافي لاستيعاب وجود الأجانب.
الدولة تقول للناخبين: “لن نعطي إقامة دائمة من أول يوم، بل سنختبر ونختار فقط من ينسجم مع قيمنا ويندمج في سوق العمل”.
ثانيًا: نقاط الضعف
البطء المفرط:
مسار متعدد المراحل قد يستغرق 5–8 سنوات قبل أن يصل العامل إلى وضع مستقر.
هذا لا يتناسب مع حدة النقص في قطاعات مثل الرعاية الصحية، الزراعة، البناء.
خطر «اليابان كمحطة مؤقتة»:
بعد حصول العامل على تدريب وخبرة، قد يغادر إلى دول أخرى:
أجور أعلى
إقامة أسرع
مسارات جنسية أو دائمة أوضح.
هنا تتحول اليابان إلى “مدرسة إعداد” لصالح أسواق عمل أخرى.
ضعف إنفاذ الحماية:
رغم الإصلاحات القانونية، لا يزال التطبيق العملي موضع شك:
تجارب سابقة كشفت عن:
استغلال
ضغط نفسي
مراقبة لصيقة
انتهاكات للأجور وساعات العمل.
نجاح النموذج متوقف على قدرة الحكومة على ضبط:
شركات التوظيف
الوسطاء
آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة في الأقاليم.
العاصفة السياسية: الشعبوية تهدد «التجربة اليابانية»
الخطر الأكبر اليوم ليس اقتصاديًا أو إداريًا فقط، بل سياسي:
منذ صيف 2025، تصاعد خطاب معادٍ للأجانب، تروّج له أحزاب شعبوية وإعلام انتقائي.
في انتخابات مجلس الشيوخ، خسر الائتلاف الحاكم أغلبيته لصالح قوى تستثمر في:
الخوف من فقدان الهوية
القلق على نظام الضمان الاجتماعي
الغضب من السياحة المفرطة والازدحام.
المفارقة أن هؤلاء السياسيين يقدّمون لليابان سيناريوهات “أوروبية” عن فشل الاندماج، رغم أن:
نسبة الأجانب في اليابان أقل بكثير من مثيلاتها في أوروبا وأميركا.
طبيعة المهاجرين مختلفة:
غالبًا من طبقة وسطى آسيوية
لا توجد عقود طويلة من استقبال عمالة غير ماهرة بلا مسار واضح كما في بعض الدول الأوروبية.
على مدى عقود، تهرّبت النخبة الحاكمة (وخاصة الحزب الليبرالي الديمقراطي LDP) من فتح نقاش جاد حول الهجرة:
استقدمت العمالة لكنها أصرت خطابياً على أن “اليابان ليست بلد هجرة”.
خلقت بذلك فراغًا سرديًا ملأته بسهولة قوى اليمين الشعبوي.
اليوم، تجد تاتايتشي نفسها مضطرة للتعامل مع إرث طويل من الغموض السياسي، في وقت تحتاج فيه البلاد أكثر من أي وقت مضى إلى وضوح في ملف الهجرة.
هل تصبح اليابان نموذجًا عالميًا… أم تحذيرًا للآخرين؟
ورغم كل التحديات، يحمل “النموذج الياباني للهجرة القائمة على التدريب” دلالات مهمة تتجاوز حدود الأرخبيل:
هو بديل عن النموذج النيوليبرالي الشائع الذي يختزل الهجرة في “استيراد مهارات جاهزة”.
يقدم تصورًا مختلفًا:
الدولة والشركات تستثمر في تكوين المهاجر وتشكيل مهاراته وسلوكه بعد الوصول.
الاندماج يُبنى عبر الممارسة اليومية في مكان العمل، لا فقط عبر الشهادات والامتحانات قبل الوصول.
إذا نجحت التجربة:
قد تتحول إلى “دليل عمل” لدول:
تعاني من شيخوخة سكانية
تخاف من الانقسام المجتمعي بسبب الهجرة
تواجه صعودًا في الشعبوية المعادية للأجانب.
أما إذا فشلت:
فستُستخدم كدليل إضافي على أن حتى “الهجرة المدارة بحذر شديد” يمكن أن تصبح سياسيًا غير قابلة للاستمرار،
ما سيؤكد لرأي عام عالمي متوتر أن أي توسع في استقبال المهاجرين – مهما كان منظمًا – يحمل ثمنًا سياسيًا باهظًا.
خلاصة: تجربة تستحق المتابعة عن قرب
اليابان اليوم ليست فقط قصة عن نقص في العمالة أو صعود اليمين الشعبوي، بل مختبرًا حيًا لسؤال أكبر يواجه معظم الدول المتقدّمة:
كيف نوازن بين الحاجة الديموغرافية والاقتصادية للمهاجرين، وبين الحساسية السياسية والاجتماعية تجاه الهجرة؟
إذا تمكنت طوكيو من:
حماية حقوق العمال الأجانب،
ضبط الوسطاء وأرباب العمل،
وإقناع جمهورها بأن هؤلاء جزء من الحل لا من المشكلة،
فقد تتحول تجربتها من “هجرة متعثرة” إلى نموذج عملي لهجرة تدريجية، مدروسة، وقابلة للاستدامة في عالم يخاف من الهجرة لكنه لا يستطيع الاستغناء عنها.



