الجارديان: إيران بين شبح الحرب وضغوط الشارع… مفاوضات مفتوحة واستعداد عسكري كامل
كشفت تغطية موسعة نشرتها صحيفة الجارديان عن تصاعد غير مسبوق في حدة الأزمة الإيرانية، حيث تتقاطع الاحتجاجات الشعبية الواسعة مع تهديدات خارجية ومواقف دبلوماسية متوترة، لتضع البلاد أمام واحد من أخطر مفترقات الطرق في تاريخها الحديث. ففي الوقت الذي تؤكد فيه طهران أنها لا تسعى إلى الحرب، تشدد في المقابل على أنها مستعدة لها بالكامل، وسط تحذيرات مباشرة من «سوء التقدير» موجهة إلى خصومها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. وتأتي هذه التطورات بينما يدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات عسكرية محتملة ردًا على قمع الاحتجاجات، في وقت تؤكد فيه إيران أن قنوات التواصل الدبلوماسي مع واشنطن لا تزال مفتوحة. وبين الشارع الغاضب، والانقسام الدولي، والعقوبات الاقتصادية الخانقة، تبدو إيران اليوم أمام اختبار وجودي يمس مستقبل النظام واستقرار المنطقة بأسرها.
رسائل طهران المزدوجة: لا حرب… لكن الجاهزية كاملة
أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال لقائه سفراء أجانب في طهران، أن بلاده «لا تسعى إلى الحرب لكنها مستعدة لها بشكل كامل»، في رسالة عكست مزيجًا من التهدئة والردع في آن واحد. وحذر عراقجي خصوم إيران من أي «سوء تقدير» قد يقود إلى تصعيد واسع، مشددًا على أن طهران باتت أكثر استعدادًا عسكريًا مقارنة بالمواجهة التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل في يونيو الماضي. وفي الوقت نفسه، أعلن استعداد بلاده للدخول في مفاوضات جديدة، شرط أن تقوم على أسس «الندية والاحترام المتبادل»، في إشارة واضحة إلى رفض أي حوار يُفرض من طرف واحد أو تحت التهديد العسكري.

قنوات واشنطن وطهران: تواصل غير مباشر رغم التوتر
رغم غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين إيران والولايات المتحدة، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن قنوات الاتصال مع واشنطن لا تزال قائمة عبر وسطاء، وعلى رأسهم السفارة السويسرية. وأوضح أن الرسائل المتبادلة بين وزير الخارجية الإيراني والمبعوث الأمريكي الخاص تتم عند الضرورة، ما يشير إلى رغبة متبادلة في إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا، حتى في ذروة التصعيد. غير أن طهران شددت على أن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تراعي المصالح المتبادلة، وألا تتحول إلى أداة ضغط سياسي أو أمني، في ظل التهديدات الأمريكية المتكررة باستخدام القوة.

الشارع الإيراني يشتعل: احتجاجات تتحدى القمع
تشهد إيران منذ أواخر ديسمبر موجة احتجاجات واسعة النطاق، انطلقت شرارتها من الانهيار المتسارع للعملة المحلية وارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تتحول إلى تظاهرات مناهضة للنظام في معظم المحافظات. ورغم قطع الإنترنت لأكثر من 72 ساعة، وفرض إجراءات أمنية مشددة، واصلت الاحتجاجات زخمها، وسط تقارير حقوقية تشير إلى سقوط مئات القتلى وآلاف المعتقلين. وتؤكد منظمات مستقلة أن العنف المستخدم ضد المتظاهرين بلغ مستويات غير مسبوقة، في وقت تصف فيه السلطات هذه التحركات بأنها «مدفوعة من الخارج» وتهدف إلى زعزعة الاستقرار.

مواقف دولية متباينة: إدانة أوروبية وحذر صيني
لاقى تعامل السلطات الإيرانية مع الاحتجاجات انتقادات حادة من عواصم غربية، حيث وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين بأنه «دليل ضعف»، مطالبًا بوقف العنف فورًا. في المقابل، تبنت الصين موقفًا أكثر تحفظًا، مؤكدة رفضها لاستخدام القوة في العلاقات الدولية، وداعية إلى احترام سيادة إيران وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. هذا التباين في المواقف يعكس انقسامًا دوليًا حول كيفية التعامل مع الأزمة، بين من يدفع نحو تشديد الضغوط، ومن يفضل التهدئة وتفادي انفجار إقليمي أوسع.

ترامب والحسابات العسكرية: بين الردع والتدخل
في واشنطن، يدرس الرئيس دونالد ترامب خيارات متعددة للرد على تطورات الوضع في إيران، من بينها إجراءات عسكرية «قوية جدًا» بحسب تصريحاته، في حال استمر قمع المتظاهرين. غير أن محللين حذروا من أن أي تدخل عسكري قد يعزز رواية النظام الإيراني بأن الاحتجاجات جزء من «مؤامرة خارجية»، كما أن الكثافة السكانية العالية في طهران تجعل أي ضربة دقيقة محفوفة بمخاطر إنسانية جسيمة. وفي ظل عدم وجود تحركات عسكرية أمريكية كبيرة على الأرض حتى الآن، يبدو أن البيت الأبيض لا يزال يوازن بين ضغوط التدخل ودعوات الحلفاء الإقليميين إلى ضبط النفس.
العقوبات والاقتصاد: جذور الأزمة المتفاقمة
تعمّقت الأزمة الاقتصادية في إيران مع عودة العقوبات الدولية الشاملة، ورفع الدعم عن سعر الصرف المخصص للواردات، ما أدى إلى قفزات حادة في أسعار السلع الأساسية. ويرى مراقبون أن الضغوط الاقتصادية لعبت دورًا محوريًا في إشعال الغضب الشعبي، حيث يعاني المواطنون من تضخم مرتفع وتراجع حاد في القدرة الشرائية. وفي ظل استمرار العقوبات الأمريكية وتقييد وصول إيران إلى النظام المالي العالمي، تتفاقم معاناة الشارع، بينما تجد الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين احتواء الاحتجاجات، وإدارة الضغوط الخارجية، والحفاظ على تماسك الدولة.




