تصعيد دبلوماسي وعسكري متزامن: أوكرانيا بين ضغط واشنطن وقصف موسكو في يوم مفصلي بجنيف
تشهد الأزمة الأوكرانية واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ اندلاع الحرب، مع تزايد الضغوط الدبلوماسية الأمريكية على كييف للقبول بمسودة خطة سلام مثيرة للجدل، يقابلها تصعيد روسي واسع النطاق على المدن الأوكرانية. وبين هذين المسارين، تستعد جنيف لاستضافة محادثات طارئة تجمع وفودًا أمريكية وأوروبية وأوكرانية في محاولة لاحتواء الموقف قبل أن يتجه إلى منعطفات أكثر خطورة.
البداية جاءت مع إعلان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن روسيا كثّفت ضرباتها خلال الأيام الماضية، مستخدمة أكثر من 1,050 طائرة مسيّرة ونحو 1,000 قنبلة انزلاقية لاستهداف منشآت سكنية وبنى تحتية ومحطات طاقة في مختلف المدن. الهجوم الأكثر دموية وقع في مدينة تيرنوبل، حيث قُتل 33 شخصًا بينهم ستة أطفال، فيما لا يزال عدد من السكان في عداد المفقودين. زيلينسكي قال إن بلاده “تواجه موجة جديدة من الهجمات الشريرة”، مطالبًا بتسريع تفعيل الاتفاقيات المتعلقة بأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ اللازمة لحماية المدن.

ورغم هذا التصعيد، لم تتوقف أوكرانيا عن توسيع نطاق عملياتها داخل روسيا. فقد ذكرت قنوات روسية على تليغرام أن مسيّرات أوكرانية ضربت محطة شاتورا الحرارية قرب موسكو، ما أدى لاندلاع حريق واسع وانقطاع التدفئة عن آلاف السكان. ولم يتسنّ التحقق من حجم الأضرار، لكن الحادثة أثارت قلقًا داخل روسيا بشأن قدرة كييف على اختراق العمق الروسي بشكل متزايد.

على الجانب الدبلوماسي، بدأت الوفود الدولية بالتوافد إلى جنيف لمناقشة المسودة الأمريكية التي تضم 28 بندًا، والتي تسربت الأسبوع الماضي وأحدثت صدمة داخل أوكرانيا وأوروبا. المسودة تمنح روسيا اعترافًا “بحكم الأمر الواقع” بسيطرتها على القرم وأجزاء واسعة من دونيتسك ولوغانسك، وتجمّد خطوط القتال في خيرسون وزاباروجيا، كما تشترط تقليص الجيش الأوكراني إلى 600 ألف جندي ومنع انضمام كييف إلى الناتو.
ورغم أن واشنطن وصفت الخطة بأنها “قابلة للتعديل وليست عرضًا نهائيًا”، فإن الضغوط المفروضة على كييف للرد قبل الخميس تضع زيلينسكي أمام معادلة صعبة: إما القبول بتنازلات كبيرة تمس السيادة، أو المخاطرة بخسارة الدعم الأمريكي الحاسم في التسليح والاستخبارات.

الدول الأوروبية حاولت التخفيف من حدة الموقف، وأكدت في بيان مشترك صدر خلال قمة العشرين بجنوب أفريقيا أن الخطة “تحمل عناصر مهمة لكنها تحتاج إلى مزيد من العمل”، مشددة على أن “الحدود لا تُغيَّر بالقوة”. كما أرسلت باريس ولندن وبرلين مستشاريها للأمن القومي إلى جنيف للمشاركة في المحادثات.

مصادر دبلوماسية كشفت أن الخطة صيغت بعد محادثات سرية في ميامي بين مبعوث ترامب ستيف ويتكوف والمسؤول الروسي المقرب من الكرملين كيريل ديميترييف، ما أثار مخاوف أوكرانية من أن تكون واشنطن وموسكو قد ناقشتا مستقبل الأراضي الأوكرانية دون حضور كييف.

من جهته، عبّر زيلينسكي في خطاب متلفز عن أن أوكرانيا تواجه “لحظة تاريخية صعبة”، مؤكدًا أن بلاده لن تقبل أي سلام يتجاهل استقلالها وحدودها، لكنه تجنب رفض الخطة بشكل قاطع حفاظًا على العلاقة مع الولايات المتحدة.

وبينما تستعد الوفود للاجتماع خلف أبواب مغلقة في جنيف، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متباينة: تعديل الخطة بما يرضي كييف، أو استمرار الخلافات، أو دخول الحرب مرحلة أكثر تعقيدًا في ظل التصعيد المتبادل. وفي الوقت الذي يواصل فيه المدنيون دفع الثمن الأكبر، يبدو أن الساعات والأيام المقبلة ستحدد ما إذا كانت الأزمة تتجه نحو تسوية محتملة… أم نحو فصل جديد من الصراع.



