الإيكونوميست: إسرائيل تدفع ثمن “انتصار دموي” في حرب غزة… صدمة نفسية وهجرة متصاعدة
تقول مجلة الإيكونوميست إن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري خلال العامين الماضيين، تجد نفسها أمام حساب نفسي واجتماعي باهظ الثمن.
الصدمة الجماعية، والانقسام السياسي، وتمدد الهجرة… كلها عوامل تتراكم فوق جروح الحرب المفتوحة.
وبحسب الإيكونوميست، فإن ما جرى منذ هجمات حماس في أكتوبر 2023 لم يغيّر نظرة العالم لإسرائيل فقط، بل غيّر أيضاً نظرة الإسرائيليين لأنفسهم ولمستقبلهم داخل الدولة.
فبينما تُظهر المؤسسة العسكرية قدرة لافتة على الردع، تتزايد داخل المجتمع مخاوف من أن يكون القادم أقل استقراراً وأكثر قابلية للانفجار السياسي والنفسي.
في بلد صغير مثل إسرائيل، يكون الفوز بجائزة نوبل عادةً سبباً للاحتفال الوطني. لكن إعلان فوز الاقتصادي الإسرائيلي الأمريكي جويل موكر، الشهر الماضي، لم يحظَ باهتمام كبير. صادف الإعلان إطلاق سراح آخر دفعة من الرهائن المحتجزين في غزة، فتركزت الأنظار على وقف إطلاق النار. إضافة إلى ذلك، يُعرف موكر بانتقاداته الحادة للحكومة الحالية، وهو ما جعل الإشادة الرسمية به أمراً مستبعداً.
لكن هناك تفسيراً آخر قدّمه أكاديميون في إسرائيل: موكر يعيش في الولايات المتحدة منذ أكثر من نصف قرن. “الجميع هنا يحب يوئيل”، يقول محاضر في الجامعة العبرية. “لكن مسيرته الأكاديمية ما كانت لتأخذ هذا المسار لو بقي في إسرائيل. الخوف من هجرة العقول حاضر بقوة الآن.”
تضيف الإيكونوميست أن حرب غزة وما رافقها من معاناة فلسطينية وهجمات 2023 غيرت رؤية العالم لإسرائيل، لكنها غيّرت أيضاً شعور الإسرائيليين تجاه دولتهم. ومع أن إسرائيل حققت تفوقاً عسكرياً واسعاً، إلا أن المستقبل يبدو محكوماً بيقظة دائمة وحروب متتالية، مع توقف العملية السياسية، وتصاعد الوصمة الدولية، وتفاقم الاستقطاب الداخلي.
هذا التحول ستكون له تبعات عميقة. فإسرائيل لطالما جذبت أفضل طلابها نحو الجامعات الأمريكية الأكبر موارد. أربعة من الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد خلال ربع قرن درسوا أو درّسوا في الجامعة العبرية، ولم يبقَ منهم في إسرائيل سوى واحد فقط.
لكن خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، لم يعد الدافع اقتصادياً فقط. سياسات حكومة بنيامين نتنياهو، وما تلا حرب غزة من أزمات سياسية واجتماعية، دفعت كثيرين للتفكير في مغادرة البلاد. يقول الاقتصادي دان بن ديفيد إن “ميزة إسرائيل التكنولوجية والعلمية تعتمد على مجموعة صغيرة من الباحثين والأطباء والمهندسين، نحو 300 ألف شخص فقط، يمكن لأي دولة أن تتنافس عليهم.”
البيانات الأخيرة توثق القلق: لعقد كامل كان معدل الهجرة ثابتاً عند 40 ألف مغادر سنوياً. لكن في 2023 قفز الرقم إلى 59 ألفاً، ثم إلى 82 ألفاً في 2024، وهو العام الأول الكامل للحرب.
ليس من السهل الجزم بأن ما يحدث هو “نزيف أدمغة” شامل، لأن كثيراً من الأكاديميين يغادرون للعمل مؤقتاً ثم يعودون. لكن ما يردده الخبراء هو أن “القصص الفردية كثيرة جداً حتى يصعب تجاهلها”.
والمثير أن 38% من المغادرين في 2024 كانوا من الوافدين الجدد الذين قدموا إلى إسرائيل قبل أقل من خمس سنوات، ومعظمهم من اليهود الروس والأوكرانيين الذين هربوا من حرب أوكرانيا. وفور اشتعال الحرب في غزة، غادر كثير منهم مجدداً.
ورغم ذلك، يحذر الخبراء من أن الراحلين يميلون لأن يكونوا أصغر سناً وأكثر تعليماً، خصوصاً بين الأطباء الشباب. كثير من هؤلاء ينتمون للطبقة العلمانية المتعلمة، الأكثر معارضة لحكومة نتنياهو. كما أن قطاع التكنولوجيا، الذي قاد الاحتجاجات قبل الحرب، يشعر اليوم بمزيد من الغضب على خلفية الاستقطاب الحاد.
يعمّق ذلك شعور آخر داخل المجتمع: الإرهاق العسكري. فقد تم استدعاء أكثر من 300 ألف من جنود الاحتياط في حرب غزة. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار، تخطط المؤسسة العسكرية لرفع جاهزيتها لسنوات، ما يعني المزيد من الخدمة الإلزامية لجنود الاحتياط، وهو ما يؤثر على حياتهم ودراساتهم وأعمالهم.
تحذر منظمات داعمة لأسر الاحتياط من أن “الاحتياط هم أيضاً العمود الفقري للاقتصاد والجامعات وقطاع التكنولوجيا”، وأن تحميلهم عبئاً متزايداً سيترك آثاراً واسعة.
وبالتوازي، تشهد إسرائيل أزمة نفسية عامة. فعدد الانتحارات داخل الجيش ازداد إلى أعلى مستوى منذ 2011، رغم نفي المؤسسة العسكرية أن يكون ذلك مرتبطاً بالحرب فقط. لكن الأخصائيين النفسيين يرون الصورة أكبر: “ما تعيشه البلاد هو مجتمع في حالة صدمة.”
ورغم تخصيص الحكومة 1.9 مليار شيكل لدعم الصحة النفسية، يحذر الخبراء من أن هذه المخصصات أقل بكثير مما يحتاجه مجتمع خرج للتو من حرب طويلة “ستترك ذيلها الثقيل على وعيه لسنوات”.
إقرأ ايضَا:الايكونوميست: احذروا موجة الذهب المحترقة… تفسير واحد يبدو منطقيًا — ولن يطمئن المستثمرين


