غارة فنزويلا تزلزل الحسابات الآسيوية: ماذا تعني ضربة واشنطن لبكين وطموحاتها تجاه تايوان؟
أثار الهجوم الأميركي الخاطف على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو صدمة عالمية تجاوزت حدود أميركا اللاتينية، لتصل أصداؤها سريعاً إلى شرق آسيا، وتحديداً إلى مضيق تايوان. فالمشهد الذي أطاحت فيه قوة عظمى بزعيم دولة أصغر خلال ساعات، أعاد فتح الأسئلة في بكين وتايبيه حول موازين القوة، وجدوى الردع، وحدود المغامرة العسكرية.
أولاً: مقارنة تفرض نفسها في الوعي الصيني
رأى مراقبون صينيون في ما جرى بفنزويلا نموذجاً محتملاً لما قد يحدث في حال اندلاع صراع حول تايوان. فالتفاوت في القوة بين واشنطن وكراكاس، يشبه – من حيث المبدأ – الفجوة بين الصين وتايوان، مع فارق حاسم يتمثل في الدعم الأميركي الموعود لتايبيه.
ثانياً: بكين لا ترى تايوان قضية دولية
تؤكد الصين باستمرار أن مسألة تايوان شأن داخلي لا يخضع للقانون الدولي. ووفق هذا المنطق، ترى بكين أن ما فعلته الولايات المتحدة في فنزويلا، مهما كان مثيراً للجدل، لا يمكن إسقاطه على العلاقات عبر المضيق. فالصين لم تُقيِّد تحركاتها تجاه تايوان يوماً باعتبارات الشرعية الدولية، بل اعتمدت سياسة ضغط وتصعيد محسوب دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
ثالثاً: ميزان الردع في مضيق تايوان
يبقى العامل العسكري هو الرادع الأكبر أمام أي تحرك صيني. فعلى الرغم من التفوق العددي والتقني للجيش الصيني، فإن التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن تايوان يغيّر قواعد اللعبة. المناورات العسكرية الصينية الأخيرة حول الجزيرة هدفت إلى إظهار القدرة على الحصار ومنع التدخل الخارجي، إلا أن واشنطن ترى أن بكين لا تزال تسابق الزمن لتحقيق تفوق حاسم بحلول 2027.
رابعاً: ضربة فنزويلا تثير الشكوك حول السلاح الصيني
المفارقة أن ما جرى في فنزويلا قد لا يشجع بكين بقدر ما يدفعها إلى التريث. فقد أظهرت العملية الأميركية عجز منظومات الدفاع الفنزويلية – ومعظمها صينية الصنع – عن منع «ضربة قطع الرأس». هذا الأمر أعاد تقييم صورة السلاح الصيني، التي كانت قد تحسنت بعد نجاحات سابقة في صراعات إقليمية أخرى.
خامساً: رسالة ردع غير مباشرة لبكين
يرى خبراء أن قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ عملية دقيقة وسريعة ضد نظام يعتمد بشكل كبير على تسليح صيني، تشكل رسالة ردع قوية لبكين. فالاختبار الحقيقي ليس في استعراض القوة، بل في مواجهة مباشرة مع واشنطن، وهو سيناريو قد تفضّل القيادة الصينية تجنبه.
سادساً: تايوان بين القلق والحذر
في تايبيه، التزمت الحكومة الصمت الرسمي، لكن النقاش الشعبي كان حاضراً بقوة. البعض رأى في ما حدث إنذاراً يدعو إلى تعزيز الوحدة الداخلية وتجنب أي خطوات قد تضع الجزيرة في موقع «الدولة المارقة». فيما اعتبر آخرون أن دعم الولايات المتحدة يظل صمام الأمان الأساسي.
خاتمة:
تكشف غارة فنزويلا عن تحوّل عميق في النظام الدولي، حيث تتراجع الخطوط الفاصلة بين القانون والقوة. وبينما تصرّ بكين على أن تايوان شأن داخلي، فإن مشهد «الضربة الخاطفة» الأميركية يفرض نفسه على حساباتها الاستراتيجية، ليس كتشجيع على المغامرة، بل كتحذير من كلفة اختبار القوة مع واشنطن.



