تحذير من دافوس.. كندا تدعو لنظام عالمي جديد بعد اهتزاز المظلة الأمريكية
في خطاب وُصف على نطاق واسع بأنه الأبرز في منتدى دافوس هذا العام، وربما الأكثر تأثيرًا في تاريخ المنتدى، أطلق رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تحذيرًا صريحًا من انهيار النظام الدولي القائم على القيادة الأمريكية، داعيًا الدول متوسطة الحجم إلى بناء منظومة تعاون مرنة ومتعددة المستويات تحمي مصالحها في عالم يزداد اضطرابًا. خطاب كارني لم يكن مجرد تشخيص لحالة النظام العالمي، بل جاء انعكاسًا لقلق متراكم داخل كندا ودول مشابهة تجد نفسها عالقة بين اعتماد اقتصادي عميق على الولايات المتحدة، وعجز عملي عن تنويع الشراكات الدولية رغم كثرة الاتفاقيات. التقرير التالي يستعرض خلفيات هذا الطرح، وحدوده، والعقبات السياسية والاقتصادية التي تجعل ترجمة هذه الرؤية إلى واقع مهمة شاقة ومعقدة.
خطاب دافوس: صراحة غير مسبوقة من قلب النظام
لم يكن خطاب مارك كارني في دافوس تقليديًا أو دبلوماسي اللغة، بل اتسم بنبرة تحذيرية مباشرة تجاه مستقبل النظام الدولي. فقد أشار بوضوح إلى أن الاعتماد على نظام عالمي تتمحور قيادته حول الولايات المتحدة لم يعد خيارًا آمنًا للدول متوسطة الحجم، في ظل النزعات الحمائية والتقلبات السياسية الأمريكية. هذه الصراحة لاقت صدى واسعًا لأنها صدرت من دولة حليفة تاريخيًا لواشنطن، لا من خصم أو منافس. كارني دعا إلى بناء شبكات تعاون مرنة ومتداخلة، لا تقوم على محور واحد، بل على توزيع المخاطر والشراكات، وهو طرح يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مرحلة “الضامن الأمريكي” للاستقرار الاقتصادي والتجاري العالمي قد تكون في طريقها إلى الأفول.
ذاكرة 2017: تحذيرات سابقة بلا نتائج حاسمة
ما قاله كارني في دافوس ليس جديدًا بالكامل على السياسة الكندية. ففي عام 2017، خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، أطلقت وزيرة الخارجية الكندية آنذاك كريستيا فريلاند تحذيرًا مشابهًا عندما شككت واشنطن في جدوى دورها القيادي العالمي. حينها تحدثت أوتاوا عن ضرورة رسم مسار سيادي مستقل، لكن الواقع أثبت أن ترجمة هذه الأقوال إلى تحولات ملموسة كانت بطيئة ومحدودة. فالاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي، رغم دخوله حيز التنفيذ، احتاج سنوات طويلة لتفعيل آليات عملية مثل الاعتراف المتبادل بالمهن. هذه التجربة كشفت أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي، وأن البيروقراطية والمصالح المتشابكة قادرة على تعطيل حتى أكثر الاتفاقيات طموحًا.
CPTPP والتنوع المفقود في التجارة الكندية
لعبت كندا دورًا محوريًا في إنقاذ اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ بعد انسحاب الولايات المتحدة، ما أدى إلى إطلاقه بصيغة جديدة تحت اسم CPTPP. ورغم أن الاتفاق ضم دولًا متوسطة الحجم وسوّق كنموذج لتحالفات خارج النفوذ الأمريكي، فإن أثره الفعلي على هيكل التجارة الكندية ظل محدودًا. فحصة الولايات المتحدة من صادرات كندا بقيت مرتفعة، واستقرت عند مستويات تجعل أي حديث عن فك الارتباط الاقتصادي أقرب إلى الطموح النظري. حتى التراجع الأخير في هذه الحصة يُعزى جزئيًا إلى عوامل مؤقتة مرتبطة بالرسوم الجمركية الأمريكية، ما يعزز فكرة أن الجغرافيا والاعتماد التاريخي لا يزالان يفرضان كلمتهما.
قيود السياسة والواقع: حين تصبح الجغرافيا قدرًا
يواجه سعي كندا لتنويع شراكاتها الاقتصادية قيودًا سياسية داخلية وخارجية معقدة. فعلى الصعيد الدولي، تصطدم محاولات التعاون مع الاتحاد الأوروبي بعقبات تنظيمية وإصرار بروكسل على سيادتها التشريعية. أما داخليًا، فيتعين على الحكومة الكندية مراعاة مصالح أقاليم حيوية مثل أونتاريو، التي تعتمد صناعتها، خصوصًا قطاع السيارات، على سلاسل توريد متكاملة مع الولايات المتحدة. هذا التداخل يجعل أي تحرك بعيدًا عن واشنطن محفوفًا بمخاطر اقتصادية واجتماعية، ويُظهر كيف أن القرارات العالمية غالبًا ما تُقيَّد بحسابات محلية دقيقة لا يمكن تجاهلها.
دبلوماسية اقتصادية محسوبة مع الصين
في محاولة لكسر بعض القيود، أبرمت حكومة كارني اتفاقًا محدودًا مع الصين يقضي بفرض حصة على واردات السيارات الكهربائية مقابل تخفيض الرسوم على زيت الكانولا الكندي. ورغم أن الخطوة عُدت ذكية من حيث التوازن بين المصالح، فإن حجمها يظل متواضعًا مقارنة بسوق السيارات الكندية الضخم. هذا المثال يوضح طبيعة التحركات الكندية الحالية: خطوات محسوبة بعناية، تهدف إلى تنويع الخيارات دون إحداث صدمة في العلاقات القائمة مع الولايات المتحدة. وهو نهج يعكس إدراكًا بأن أي تحول جذري وسريع قد يكون مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا.
مؤسسات عالمية ضعيفة ونظام يتآكل ببطء
أشار كارني بوضوح إلى تراجع دور منظمة التجارة العالمية، حتى باتت مبادئها الأساسية مهددة. محاولات إحياء التعاون عبر اتفاقيات “متعددة الأطراف المصغرة” تصطدم بمعارضة دول كبرى مثل الهند، فيما تنظر دول نامية بعين الريبة إلى نظام ترى أنه صُمم لخدمة الدول الغنية. هذا المشهد يعكس عالمًا تتآكل فيه المؤسسات دون أن يظهر بديل متماسك بعد. وبينما تبدو رؤية كارني منطقية من حيث المبدأ، فإن التاريخ يُظهر أن بناء أنظمة دولية جديدة غالبًا ما يحتاج أزمات كبرى تدفع الدول لتجاوز أنانيتها، وهو ما يجعل الطريق نحو نظام مرن ومتعدد الأقطاب أطول وأكثر وعورة.



