فايننشال تايمز: اغتيالات إسرائيلية تهز حزب الله وتضع “الصبر الاستراتيجي” على المحك
يشهد لبنان لحظة شديدة الخطورة مع تزايد وتيرة الاغتيالات الإسرائيلية ضد قيادات حزب الله، ما يهدد بإنهاء مرحلة “الصبر الاستراتيجي” التي اعتمدها الحزب منذ وقف إطلاق النار قبل عام. اغتيال هيثم علي طباطبائي، أحد أبرز القادة العسكريين، في قلب بيروت، رفع المواجهة إلى مستوى جديد، وطرح أسئلة جوهرية حول قدرة الحزب على ضبط النفس، واحتمالات انزلاق لبنان إلى حرب مدمرة أخرى.
ضربة غير مسبوقة في قلب الضاحية
اغتيال طباطبائي لم يكن مجرد “عملية أمنية ناجحة” من وجهة النظر الإسرائيلية، بل رسالة مفادها أن الحرب مستمرة عملياً رغم وقف إطلاق النار. العملية، التي وقعت في أحد أكثر أحياء بيروت اكتظاظاً، فجرت مخاوفاً داخل بيئة حزب الله حول حدود التهدئة، خصوصاً بعد أن خسرت الضاحية الجنوبية آلاف القتلى جراء العمليات السابقة وفقدت الحزب عدداً كبيراً من قياداته.
وبرغم تكتم الحزب، تشير مصادر مطلعة إلى حالة ارتباك داخلي: “نحن أمام معضلة وجودية”، كما قال مسؤول على صلة بقيادة الحزب. “هل نواصل إعادة بناء قواتنا بهدوء، أم نرد بقوة ونخاطر بحرب قد تقضي على ما تبقى؟”.

تراجع النفوذ… ونهاية وهم الردع
يُنظر اليوم إلى قرار حزب الله المشاركة في جبهة 2023 إلى جانب حماس باعتباره “خطأ استراتيجياً قاتلاً”، وفق مراقبين مقرّبين من الحزب. فالحرب اللاحقة دمرت جزءاً كبيراً من البنية العسكرية للحزب، واغتالت حسن نصرالله، وأجبرت الحزب على سحب السلاح من الجنوب مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي.
ورغم أن الحكومة اللبنانية تتحدث عن “تفكيك واسع” لمستودعات السلاح والبنى العسكرية بموافقة ضمنية من الحزب، فإن الأخير يرى أن أسلحته ما تزال ضرورية ما دام “العدوان الإسرائيلي” مستمراً.
بين إعادة التشكيل والضغوط الداخلية
منذ اغتيال قياداته، اتّبع حزب الله نهج “إعادة البناء الصامت”: سدّ الشواغر القيادية، وتعزيز وحدات عسكرية، ومحاولة إعادة فتح قنوات التسليح رغم انهيار مسار الدعم السوري بعد سقوط نظام الأسد. ومع ذلك، نجحت إسرائيل في اعتراض شاحنات محمّلة بالصواريخ كانت تحاول دخول لبنان، ما زاد من هشاشة خطوط الإمداد.
إسرائيل بدورها تؤكد أنها لن تنتظر: “لن نسمح لحزب الله بالعودة لنقطة التهديد، وتعلمنا دروس 7 أكتوبر جيداً”، كما قال أحد المتحدثين باسم الجيش الإسرائيلي. هذه العقيدة الجديدة تقوم على المبادرة المستمرة، وتوجيه ضربات استباقية داخل لبنان.

المشهد اللبناني: الدولة عاجزة وإسرائيل غير مستعدة للتفاوض
القيادة اللبنانية تعيش مأزقاً مزدوجاً: فهي عاجزة عن فرض نزع سلاح الحزب، وتخشى أن يؤدي أي صدام داخلي إلى حرب أهلية. في الوقت نفسه، ترفض إسرائيل الانخراط في حوار مباشر، معتبرة أن قوتها العسكرية كافية لفرض معادلة ردع جديدة.
تقول مصادر سياسية لبنانية إن الطبقة الحاكمة “تتفرج على صراع بين قوة إقليمية (إيران) وإسرائيل يجري على أرض لبنان ويدفع الشعب ثمنه”.
انقسامات داخل الحزب… وصبر قد ينفجر
الضربة الأخيرة فجّرت جدلاً متصاعداً داخل الحزب. فقيادات سياسية تشكك في تقديرات الجناح العسكري، وتعتبر أن “استراتيجية الردع فشلت” وأن الحزب أصبح مكشوفاً أكثر من أي وقت مضى.
ويشير باحثون إلى أن هذه الانقسامات قد تدفع الحزب نحو ردّ عسكري “لحفظ ماء الوجه”، خاصة إذا ضغطت قواعده الشعبية أو اعتبرت طهران أن الحزب يحتاج لإثبات جدواه.
الدور الإيراني: إعادة التأهيل قبل اتخاذ القرار
إيران، التي تراقب المشهد، لم تحسم مستقبل الحزب في المعادلة الإقليمية المقبلة. ورغم انهيار فعالية الحزب كقوة ردع، إلا أن طهران لا تزال تعتبره “أصلًا استراتيجياً قابلاً لإعادة التأهيل”.
ووفق محللين، فإن “حزب الله يريد إثبات أنه ما زال جديراً بالاستثمار الإيراني”، وقد يستغل عملية نوعية ضد إسرائيل لإعادة الاعتبار.

خلاصة المشهد: لبنان على حافة الاشتعال
التصعيد الإسرائيلي، اغتيال القادة، انعدام قنوات التفاوض، الانقسام داخل الحزب، والأزمة الإقليمية الأوسع… كلها عوامل تجعل الوضع في الجنوب والضاحية الجنوبية قابلاً للانفجار في أي لحظة.
حزب الله ما يزال يحاول الموازنة بين “الصبر الاستراتيجي” و”الكرامة العسكرية”. لكن مع كل ضربة إسرائيلية جديدة، تصبح كفة الردّ أقرب للترجيح، ومعها يزداد خطر انزلاق لبنان إلى حرب لا يملك القدرة على تحمّلها.



