فايننشال تايمز: الفضة تهوي بقوة مع انعكاس موجة صعود تاريخية تضغط على الذهب والمعادن النفيسة
شهدت أسواق المعادن النفيسة تحوّلًا حادًا مع بداية الأسبوع، بعدما تعرضت أسعار الفضة لهبوط عنيف أنهى واحدة من أسرع موجات الصعود في تاريخها الحديث، وامتدت تداعياته إلى الذهب وبقية المعادن الثمينة. وجاء هذا التراجع المفاجئ بعد ارتفاعات قياسية دفعت المستثمرين إلى التساؤل حول ما إذا كانت السوق قد دخلت مرحلة فقاعة مضاربية، أم أن ما يجري لا يعدو كونه تصحيحًا تقنيًا طبيعيًا عقب مكاسب غير مسبوقة. وبين جني أرباح واسع النطاق، وارتفاع متطلبات الهامش في أسواق العقود الآجلة، وتراجع السيولة خلال فترة الأعياد، تكشّفت هشاشة الزخم الصعودي الذي غذّته مخاوف جيوسياسية واضطرابات نقدية عالمية، لتدخل الفضة مرحلة اختبار قاسٍ قد يعيد رسم خريطة الاستثمار في المعادن النفيسة خلال عام 2026.
انهيار سريع بعد قفزة قياسية
تراجعت أسعار الفضة بنحو 9% في جلسة واحدة، مسجلة أكبر هبوط يومي لها منذ جائحة كوفيد-19، بعدما كانت قد بلغت مستويات تاريخية غير مسبوقة خلال تداولات ضعيفة السيولة في فترة ما بعد عيد الميلاد. هذا الانخفاض الحاد محا تقريبًا المكاسب التي حققها المعدن خلال جلسة “بوكسينغ داي”، والتي شهدت اختراق أسعار تجاوزت 80 دولارًا للأوقية للمرة الأولى. ويشير متعاملون إلى أن هذا النمط من الارتفاع السريع ثم الهبوط العنيف يعكس طبيعة السوق عندما تتحول التحركات السعرية من استجابة للعوامل الأساسية إلى موجات مضاربة قصيرة الأجل.
العدوى تمتد إلى الذهب والمعادن الأخرى
لم يكن تأثير تراجع الفضة معزولًا، إذ امتد سريعًا إلى الذهب الذي خسر أكثر من 4% من قيمته، متراجعًا من سلسلة قمم تاريخية سجلها في الأسابيع الماضية. ويرى محللون أن الارتباط الوثيق بين المعادن النفيسة جعل من الصعب عزل أي معدن عن الآخر في ظل عمليات تصفية واسعة للمراكز الاستثمارية. هذا التراجع الجماعي أعاد إلى الأذهان فترات سابقة من التقلبات الحادة، حين تؤدي صدمة واحدة في سوق رئيسية إلى إعادة تسعير واسعة النطاق عبر فئة الأصول بأكملها.
الهامش المرتفع وجني الأرباح يضغطان على السوق
عزا متعاملون جزءًا كبيرًا من التراجع إلى إعلان بورصة شيكاغو التجارية (CME) رفع متطلبات الهامش على عقود الفضة والذهب الآجلة، ما زاد تكلفة الاحتفاظ بالمراكز ذات الرافعة المالية. هذا القرار دفع العديد من المستثمرين إلى تقليص انكشافهم لتجنب ضغوط إضافية على السيولة. ومع تزامن ذلك مع موجة جني أرباح طبيعية بعد صعود حاد، تحولت السوق سريعًا من حالة شراء محموم إلى سباق لتقليص المخاطر، خاصة في بيئة تداول منخفضة السيولة.
هل كانت السوق على أعتاب فقاعة؟
يرى بعض المحللين أن صعود الفضة الأخير اتخذ طابعًا “بارابوليًا”، وهو ما جعل السوق عرضة لانعكاسات حادة عند أول اختبار جدي. فالتدفقات الاستثمارية الكثيفة نحو المعادن النفيسة، مدفوعة بالمخاوف من تآكل قيمة العملات التقليدية وتراجع جاذبية الدولار، خلقت بيئة خصبة للمضاربات. ومع محدودية المعروض النسبي، تحولت الفضة إلى هدف مفضل للمستثمرين الباحثين عن أصول نادرة، ما زاد من حدة التقلبات عند تغير المزاج العام.
العوامل النقدية والجيوسياسية خلف المشهد
جاءت هذه التحركات في سياق أوسع من التوترات الجيوسياسية والضغوط النقدية العالمية، حيث ساهمت سياسات خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة في تعزيز الطلب على الأصول الحقيقية. غير أن تحذيرات متزايدة صدرت من مؤسسات مالية كبرى بشأن تسعير المعادن عند مستويات مرتفعة مقارنة بالمتوسطات التاريخية. كما لفتت تصريحات شخصيات مؤثرة إلى مخاطر استمرار الصعود غير المنضبط، خاصة بالنظر إلى الدور الصناعي الحيوي للفضة، ما يجعل ارتفاع أسعارها المفرط عامل ضغط على قطاعات اقتصادية واسعة.
إعادة تسعير مؤلمة في انتظار الأسواق
مع انكسار الزخم الصعودي، يواجه المستثمرون مرحلة إعادة تقييم شاملة لمراكزهم في المعادن النفيسة، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت السوق بصدد تصحيح صحي طويل الأمد أم بداية دورة هبوط أوسع. ويرى مراقبون أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الأسعار، خاصة مع عودة السيولة الكاملة للأسواق ووضوح مسار السياسة النقدية العالمية. وفي كل الأحوال، بات واضحًا أن عام 2026 بدأ بتقلبات حادة قد تفرض واقعًا جديدًا على استراتيجيات الاستثمار في الذهب والفضة.



