السيد الأعرج يكتب | مصر تنتصر حين يضيق الوقت.. مرموش يعيد الأمل وصلاح يكتب التاريخ في ليلة أفريقية لا تُنسى
في مباريات كأس الأمم الإفريقية، لا تُقاس القيمة بعدد الدقائق، بل بثقل اللحظة، ولا يُحسم المصير إلا عندما تختبر البطولة أعصاب الكبار. هكذا كانت ليلة منتخب مصر أمام زيمبابوي في دور المجموعات من أمم إفريقيا 2025، مواجهة بدأت بصدمة، ومرت بالقلق، وانتهت بانفجار فرح حمل توقيع عمر مرموش ومحمد صلاح، في انتصار لم يكن عاديًا لا في سيناريوهاته ولا في دلالاته.

ويذكر بأن هذه ليلة أفريقية ثقيلة تحمل الكثير من التفاصيل، ومشحونة بالتوتر، ومليئة بالتحولات الدرامية، كتب منتخب مصر فصلًا جديدًا في سجلات كأس الأمم الإفريقية 2025،.
بعدما قلب تأخره أمام زيمبابوي إلى فوز ثمين بنتيجة 2-1، في افتتاح مشواره بدور المجموعات، على ملعب أدرار، في مباراة كانت أقرب لاختبار صبر وإرادة أكثر من كونها مواجهة كروية عادية.
من صافرة البداية وحتى الدقيقة الأخيرة، لم يكن الانتصار سهلًا، ولم يأتِ على طبق من ذهب، بل وُلد من رحم المعاناة،.
ومن ضغط متواصل، ومن إيمان لا يتزحزح بأن هذا المنتخب، رغم العثرات، لا يعرف الاستسلام.
بداية حذرة… وسيطرة بلا أنياب

دخل منتخب مصر المباراة تحت قيادة فنية جديدة لحسام حسن، وسط ترقب جماهيري وإعلامي كبير، في ظل الرغبة في رؤية شخصية مختلفة للفراعنة.
ومنذ الدقائق الأولى، فرض المنتخب المصري سيطرته شبه الكاملة على الكرة، واستحوذ على وسط الملعب، وتبادل لاعبوه التمريرات القصيرة في محاولة لاختراق التكتل الدفاعي لزيمبابوي.
ورغم الاستحواذ الواضح، الذي تجاوز 77% في فترات طويلة من الشوط الأول، افتقد المنتخب المصري اللمسة الأخيرة،.

وظهرت مشكلة التحول من السيطرة إلى الفرص الحقيقية، في ظل اعتماد زيمبابوي على التراجع والدفاع ثم الضربات المرتدة.
محمد صلاح حاول مبكرًا من الجهة اليمنى، وتريزيجيه اقترب برأسية اصطدمت بالعارضة في الدقيقة السابعة، لكن الهدف ظل بعيدًا.
صدمة مبكرة… وزيمبابوي تخطف التقدم

وعلى عكس سير اللعب، جاءت الدقيقة 20 قاسية على المنتخب المصري، عندما استغل برنس ديوب تمريرة متقنة من إيمانويل جالاي داخل منطقة الجزاء، وسدد كرة أرضية سكنت يمين مرمى محمد الشناوي، معلنة تقدم زيمبابوي بهدف مفاجئ.
هدف أربك الحسابات، وضاعف الضغط على لاعبي مصر، الذين وجدوا أنفسهم مطالبين بالعودة سريعًا أمام منتخب يلعب بأريحية كاملة بعد التقدم.
ضغط مصري… وحارس زيمبابوي يتألق

بعد الهدف، كثّف منتخب مصر هجماته، وسدد مرموش، وصلاح، ومروان عطية، لكن الحارس واشنطن أروبي وقف سدًا منيعًا أمام المحاولات المصرية، وتصدى لأكثر من كرة خطيرة، أبرزها تسديدة قوية من عمر مرموش في الدقيقة 38.
انتهى الشوط الأول بتقدم زيمبابوي، وسط إحساس عام بأن النتيجة لا تعكس واقع المباراة، لكنها تعكس قسوة كرة القدم.
الشوط الثاني… مصر بوجه مختلف

مع انطلاق الشوط الثاني، ظهر منتخب مصر أكثر شراسة، وضغطًا، وسرعة في نقل الكرة. التبديلات التي أجراها حسام حسن منحت الفريق طاقة جديدة، وبدأت المساحات تظهر في دفاع زيمبابوي مع تراجع اللياقة.
محمد صلاح قاد الهجمات، ومرموش تحرك بذكاء بين الخطوط، بينما زاد الضغط حتى بات الهدف مسألة وقت.
عمر مرموش… الحل يأتي بأقدام البرنس

في الدقيقة 63، جاء الفرج. تمريرة بينية رائعة من محمد حمدي من الجهة اليسرى، اخترقت الدفاع، وصلت إلى عمر مرموش،.
الذي راوغ وسدد بذكاء في الزاوية الضيقة، لتسكن الكرة الشباك، ويشتعل المدرج، وتعود مصر إلى المباراة.

هدف لم يكن مجرد تعادل، بل كان إعلانًا عن عودة الروح، وتجسيدًا لتطور مرموش، الذي أصبح أحد أهم أسلحة المنتخب.
الهدف كان هو الثاني لمرموش في تاريخ مشاركاته بأمم إفريقيا، بعد هدفه أمام غانا في النسخة الماضية.
كما أنه سجل في 3 من آخر 4 مباريات له مع المنتخب، ليؤكد قيمته الفنية المتصاعدة.
الملك يظهر في الموعد… صلاح يحسمها في الوقت القاتل

ومع دخول المباراة دقائقها الأخيرة، ظن البعض أن التعادل هو السيناريو الأقرب،. خاصة مع تماسك زيمبابوي دفاعيًا، لكن الكبار لا يظهرون إلا في اللحظات الحاسمة.
في الدقيقة 90+1، ارتقى مصطفى محمد، ومرر كرة رأسية ذكية داخل منطقة الجزاء، وصلت إلى محمد صلاح، الذي لم يتردد،. وسدد في الزاوية الضيقة، هدفًا قاتلًا، أنهى آمال زيمبابوي، وأشعل فرحة مصرية عارمة. هدف تاريخي جديد للملك المصري.
أرقام تاريخية تُكتب باسم محمد صلاح

هدف صلاح لم يكن مجرد هدف فوز، بل كان علامة فارقة في مسيرته الدولية:
- أصبح أول لاعب مصري يسجل في 5 نسخ متتالية من كأس أمم إفريقيا
- رفع رصيده إلى 8 أهداف في أمم إفريقيا خلال 20 مباراة
- سجل هدفه الرابع في شباك زيمبابوي، بعد هاتريك نسخة 2013
- رفع رصيده الدولي إلى 62 هدفًا، مقتربًا بفارق 6 أهداف فقط من حسام حسن
أرقام تؤكد أن محمد صلاح ليس مجرد نجم، بل أسطورة حية، تتلألأ فوق أي أرض وتحت أي سماء.
أرقام المباراة… سيطرة مصرية كاملة

لغة الأرقام جاءت منصفة لأداء منتخب مصر:
- الاستحواذ: 80% لصالح مصر
- التسديدات: 30 لمصر مقابل 7 لزيمبابوي
- ركلات ركنية متتالية وضغط مستمر حتى اللحظة الأخيرة
تفوق رقمي واضح، تُرجم في النهاية إلى فوز مستحق.
ماذا بعد الفوز؟

هذا الانتصار، رغم صعوبته، يمنح حسام حسن دفعة معنوية هائلة، ويؤكد أن المنتخب يمتلك حلولًا فردية وجماعية، لكنه يحتاج إلى مزيد من الحسم المبكر، وتقليل إهدار الفرص.
كما كشف اللقاء عن تطور ملحوظ في أدوار مرموش، وأهمية مصطفى محمد كمحطة هجومية، واستمرار صلاح كقائد حقيقي داخل الملعب.
فنيًا، كشفت المباراة عن ملامح مهمة في شكل منتخب مصر، أبرزها تنوع الحلول الهجومية، وتحرر عمر مرموش، والدور القيادي لمحمد صلاح، إلى جانب أهمية مصطفى محمد كمحطة مؤثرة داخل منطقة الجزاء.
كما أظهرت أن المنتخب يمتلك شخصية العودة، حتى في أصعب الظروف.

وفي نهاية هذه الليلة الأفريقية، لم يكن فوز مصر مجرد ثلاث نقاط في بداية المشوار، بل كان رسالة قوية لكل المنافسين، بأن هذا المنتخب قد يتأخر، وقد يتعثر، لكنه لا يستسلم، ولا يفرّط في حقه حتى آخر صافرة.
في كأس الأمم الإفريقية، من يعرف كيف يصبر… هو من يعرف كيف ينتصر.



