واشنطن بوست: المتحف المصري الكبير يعيد الجدل حول عودة تمثال نفرتيتي من برلين
على مدار أكثر من قرن، ظل تمثال الملكة المصرية نفرتيتي واحدًا من أكثر القطع الأثرية إثارة للجدل في العالم، ليس فقط لجماله الاستثنائي ومكانته التاريخية، بل أيضًا بسبب موقع عرضه خارج مصر. واليوم، ومع افتتاح المتحف المصري الكبير في الجيزة، تعود قضية استعادة التمثال إلى الواجهة بقوة، وسط تصاعد الأصوات المطالِبة بإعادته من ألمانيا، حيث يُعرض في متحف «نويس» ببرلين منذ عقود. هذا التطور الجديد أعاد إشعال نقاش قديم حول الإرث الاستعماري، وشرعية امتلاك المتاحف الأوروبية لقطع أثرية نُقلت خلال حقب سياسية غير متكافئة. بالنسبة لكثير من علماء الآثار والمثقفين المصريين، لم يعد الجدل محصورًا في الجوانب القانونية، بل أصبح مرتبطًا بالهوية، والعدالة التاريخية، وحق الشعوب في استعادة رموزها الحضارية. ومع توفر بنية متحفية حديثة تُضاهي كبرى متاحف العالم، ترى القاهرة أن الحجج التقليدية لرفض إعادة نفرتيتي باتت أضعف من أي وقت مضى، في وقت تتمسك فيه برلين بموقف حذر يخلط بين القانون والسياسة والخشية على واحدة من أثمن كنوزها الثقافية.وفقًا لتقرير واشنطن بوست
ضغط مصري متجدد وحملات شعبية
تقود عالمة الآثار المصرية مونيكا حنا، إلى جانب وزير الآثار الأسبق زاهي حواس، حملات متزايدة للمطالبة باستعادة التمثال، معتبرين أن وجوده خارج مصر يمثل امتدادًا لنهب التراث خلال الحقبة الاستعمارية.
وأكد حواس أن افتتاح المتحف الجديد يُسقط الحجة التقليدية التي استخدمتها المتاحف الأوروبية لرفض إعادة القطع الأثرية، والمتمثلة في ضعف قدرات العرض والحماية داخل مصر، مشيرًا إلى أن المتحف الجديد يُعد من الأفضل عالميًا من حيث التقنيات والبنية التحتية.

المتحف الجديد كحجة مضادة لأوروبا
يمتد المتحف المصري الكبير على مساحة 5.4 مليون قدم مربعة، ويُعد أضخم مشروع متحفي في العالم مخصص لحضارة واحدة. ويرى المدافعون عن إعادة نفرتيتي أن غياب التمثال يُفقد المتحف أحد أبرز رموز التراث المصري، ويُبقي رواية الحضارة ناقصة.
كما أشار حواس إلى أن سرقات حديثة طالت متاحف كبرى في أوروبا، مثل المتحف البريطاني واللوفر، تُضعف الادعاءات الأوروبية بشأن تفوقها في حماية الآثار.
الموقف الألماني: قانونيًا معنا وعمليًا مستحيل
في المقابل، تؤكد إدارة المتحف المصري في برلين أن تمثال نفرتيتي وصل إلى ألمانيا بشكل قانوني وفق القوانين المعمول بها عام 1912، خلال فترة الحماية البريطانية على مصر.
وقالت فريدريكه زايفريد، مديرة المتحف، إن المشكلة لا تتعلق بقدرة مصر على العرض أو الحماية، بل بخطورة نقل التمثال نفسه، نظرًا لهشاشته الشديدة، معتبرة أن أي عملية نقل تمثل خطرًا لا يمكن تحمّله.
قصة خروج التمثال من مصر
عُثر على تمثال نفرتيتي عام 1912 في موقع تل العمارنة على يد بعثة ألمانية بقيادة عالم المصريات لودفيغ بورخارت. وبموجب نظام القسمة آنذاك، كان من المفترض تقسيم المكتشفات مناصفة بين مصر والبعثة الأجنبية.
غير أن باحثين مصريين يؤكدون أن بورخارت تعمّد إخفاء القيمة الحقيقية للتمثال أثناء القسمة، ما يُلقي بظلال أخلاقية على قانونية خروجه، حتى وإن كان منسجمًا شكليًا مع قوانين تلك المرحلة.
الجدل الأخلاقي والبعد الاستعماري
يرى مؤرخون ألمان أن جوهر القضية لم يعد قانونيًا بقدر ما هو أخلاقي، إذ يطرح سؤالًا أوسع حول شرعية القوانين التي وُضعت في سياق استعماري، ومدى صلاحيتها في الزمن الحاضر.
ويصف حواس تلك المرحلة بأنها شهدت «نهبًا منظمًا» للتراث المصري، مؤكدًا أن الوقت قد حان لإعادة بعض الرموز الكبرى، وعلى رأسها نفرتيتي، وحجر رشيد، ودائرة دندرة.

نفرتيتي بين برلين والقاهرة
في برلين، يُنظر إلى نفرتيتي على أنها «قلب المشهد المتحفي»، وتُقارن أحيانًا بـ«الموناليزا» في مكانتها الرمزية، ما يجعل التخلي عنها قرارًا بالغ الحساسية سياسيًا وثقافيًا.
أما في مصر، فتُمثل الملكة رمزًا مفقودًا من الذاكرة الوطنية، وتأمل الأوساط الأثرية أن تشهد السنوات المقبلة تحولًا في المواقف الأوروبية، في ظل موجة عالمية متزايدة لإعادة الآثار إلى بلدانها الأصلية.
معركة طويلة بلا حسم قريب
يعترف قادة حملات الاسترداد بأن إعادة تمثال نفرتيتي لن تكون وشيكة، لكنها باتت أقرب من أي وقت مضى، خاصة مع تغير المزاج العالمي تجاه قضايا الإرث الاستعماري.
وبينما تواصل نفرتيتي جذب الزوار في برلين، يظل السؤال مطروحًا: هل تعود «الجميلة قد أتت» يومًا إلى موطنها الأصلي؟
اقرًأ ايضَا: فايننشال تايمز: المركزي الأوروبي يحذّر حزب ميلوني من المساس بوضع ذهب إيطاليا ويؤكد: الاستقلال النقدي خط أحمر



