فايننشال تايمز: النحاس يقود موجة صعود تاريخية للمعادن وسط اضطراب الدولار والتوترات الجيوسياسية

تشهد أسواق المعادن العالمية واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا وسخونة في تاريخها الحديث، مع تسجيل أسعار النحاس والذهب والفضة مستويات قياسية غير مسبوقة خلال الأسابيع الأولى من عام 2026. ويأتي هذا الارتفاع في ظل تزايد المخاوف بشأن مستقبل الدولار الأمريكي، وتزايد التوترات الجيوسياسية العالمية، إلى جانب تدفقات استثمارية ضخمة نحو الأصول الملموسة باعتبارها مخزنًا للقيمة في أوقات عدم اليقين. ويشير محللون إلى أن موجة الصعود الحالية لا تعكس فقط طلبًا صناعيًا أو استهلاكيًا تقليديًا، بل تقودها بشكل أساسي تحركات استثمارية ومضاربات مالية واسعة النطاق. هذه التطورات تفتح نقاشًا واسعًا حول ما إذا كان العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل خريطة الاستثمار في السلع الاستراتيجية، خاصة مع تصاعد الحديث عن تراجع الاعتماد العالمي على الدولار وصعود اتجاهات “إزالة الدولرة” في بعض الاقتصادات الكبرى.
النحاس يسجل رقمًا تاريخيًا ويقود موجة الصعود
قاد النحاس موجة الارتفاعات القوية في أسواق المعادن، بعدما تجاوز حاجز 14 ألف دولار للطن للمرة الأولى في تاريخه، مسجلًا قفزة يومية بنحو 6%.
ورغم أن النحاس يُعرف تقليديًا كمعدن صناعي مرتبط بالبنية التحتية والطاقة والصناعات الثقيلة، فإن موجة الصعود الحالية مدفوعة بشكل غير مسبوق بتدفقات المستثمرين وصناديق التحوط، ما جعله يتحول مؤقتًا إلى أصل استثماري قريب من الذهب من حيث سلوك التداول.
الذهب والفضة يسجلان مستويات قياسية تاريخية
بالتوازي مع صعود النحاس، واصل الذهب تسجيل أرقام قياسية، مقتربًا من مستوى 5600 دولار للأونصة، في حين قفزت الفضة إلى نحو 120 دولارًا للأونصة.هذا الارتفاع يعكس تحولًا واضحًا في سلوك المستثمرين الذين يتجهون بقوة إلى المعادن الثمينة مع تزايد المخاطر السياسية والاقتصادية العالمية، خاصة في ظل الشكوك بشأن استقرار النظام المالي العالمي.
هل العالم يدخل مرحلة “الهروب من الدولار”؟
أحد أهم محركات صعود المعادن هو تراجع الثقة النسبية في الدولار الأمريكي، خاصة مع تزايد الحديث عن خفض أسعار الفائدة مستقبلاً، إلى جانب تصاعد التوترات السياسية العالمية.
ويرى خبراء أن اتجاه إزالة الدولرة — ولو بشكل تدريجي — يدفع المستثمرين للبحث عن بدائل تخزين القيمة، مثل الذهب والفضة وحتى المعادن الصناعية مثل النحاس.
تدفقات استثمارية ضخمة تغير شكل السوق
تشير البيانات إلى تدفقات قياسية إلى صناديق الاستثمار المتداولة المرتبطة بالنحاس، حيث تجاوزت الاستثمارات الجديدة 1.2 مليار دولار منذ بداية العام، وهو أكثر من ضعف تدفقات عام 2025 بالكامل.
هذا التحول يعكس دخول فئات جديدة من المستثمرين إلى سوق المعادن الصناعية، وهو ما يزيد من حدة التقلبات السعرية ويجعل السوق أكثر حساسية للأخبار السياسية والاقتصادية.
أسهم شركات التعدين تستفيد.. لكن المخاطر مستمرة
ارتفعت القيمة السوقية لشركات التعدين العالمية بنحو نصف تريليون دولار خلال شهر واحد فقط، مدفوعة بارتفاع أسعار المعادن.لكن رغم ذلك، يرى محللون أن الاستثمار المباشر في المعادن قد يكون أقل مخاطرة من الاستثمار في أسهم التعدين، بسبب مخاطر التشغيل والإدارة التي قد تواجه الشركات المنتجة.
نقص المعروض العالمي للنحاس يدعم الاتجاه الصعودي
يتوقع خبراء استمرار صعود أسعار النحاس على المدى المتوسط بسبب مخاوف نقص المعروض، خاصة مع تراجع إنتاج بعض الشركات الكبرى خلال 2025.لكن في المقابل، تشير بعض البيانات إلى ضعف الطلب الصناعي الفعلي، خاصة في الصين — أكبر مستهلك للمعادن في العالم — ما يثير تساؤلات حول استدامة موجة الصعود الحالية.
هل نحن أمام فقاعة أسعار جديدة في سوق المعادن؟
يرى بعض المحللين أن موجة الصعود الحالية تعتمد بشكل كبير على الزخم الاستثماري وليس الطلب الحقيقي، وهو ما قد يجعل السوق عرضة لتصحيحات حادة في أي وقت.ومع ذلك، فإن استمرار التوترات الجيوسياسية وضعف الثقة في العملات التقليدية قد يدعمان بقاء الأسعار مرتفعة لفترة أطول من المتوقع.
إقرأ أيضا:
تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التوتر الحاد



