الجارديان البريطانية: الاقتصاد الروسي يدخل مرحلة الركود.. هل تهتز آلة الحرب أم ينجح بوتين في الصمود؟
بعد سنوات من التوقعات الغربية بانهيار سريع للاقتصاد الروسي عقب غزو أوكرانيا عام 2022، تشير التطورات الأخيرة إلى تحول أكثر تعقيدًا؛ فبدلاً من الانهيار الفوري، شهد الاقتصاد الروسي طفرة مدفوعة بالإنفاق العسكري، قبل أن تبدأ مؤشرات التباطؤ والركود في الظهور تدريجيًا. ومع دخول عام 2026، يواجه الكرملين واحدة من أكثر مراحله الاقتصادية هشاشة منذ اندلاع الحرب، وسط تراجع العائدات النفطية، وضغوط ديموغرافية، وتزايد أعباء الإنفاق العسكري، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة موسكو على مواصلة تمويل الحرب في أوكرانيا على المدى الطويل.
طفرة اقتصادية مؤقتة مدفوعة بالحرب
رغم العقوبات الغربية الواسعة، تمكن الاقتصاد الروسي من الصمود خلال السنوات الأولى للحرب، مستفيدًا من زيادة ضخمة في الإنفاق العسكري الذي حفّز قطاعات صناعية عدة، خاصة الصناعات الدفاعية. وبدلاً من التراجع كما توقع الغرب، صعد الاقتصاد الروسي إلى المرتبة التاسعة عالميًا بحلول 2025. إلا أن هذا النمو اعتمد بشكل أساسي على اقتصاد حرب استثنائي، وهو نموذج اقتصادي يصعب الحفاظ عليه لفترات طويلة دون تكاليف هيكلية كبيرة.

تباطؤ النمو وتراجع عائدات الطاقة
بدأت مؤشرات التباطؤ الاقتصادي تظهر بوضوح مع انخفاض أسعار النفط، التي تُعد مصدرًا رئيسيًا لتمويل الموازنة الروسية. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن نمو الاقتصاد الروسي قد لا يتجاوز 0.8% خلال 2026، وهو من أضعف معدلات النمو منذ أزمة العقوبات التي أعقبت ضم شبه جزيرة القرم عام 2014. كما تراجعت مساهمة عائدات الوقود الأحفوري في الميزانية الروسية من نحو 40% في بداية الحرب إلى حوالي 25% خلال 2025، نتيجة انخفاض الأسعار وتشديد العقوبات وصعوبة إيجاد أسواق بديلة بنفس حجم السوق الأوروبية.

إعادة هيكلة الموازنة لصالح الإنفاق العسكري
في محاولة لتعويض العجز المالي، أعادت الحكومة الروسية توجيه الإنفاق العام بشكل واضح نحو الدفاع، حيث ارتفعت حصة الإنفاق العسكري بصورة كبيرة، بينما تراجعت مخصصات الرعاية الاجتماعية والتعليم والصحة. كما لجأت السلطات إلى رفع الضرائب، بما في ذلك زيادة ضريبة الشركات ورفع ضريبة القيمة المضافة، ما أدى إلى زيادة الضغوط المعيشية على المواطنين، خاصة في ظل استمرار التضخم المرتفع الذي أثر على أسعار السلع الأساسية.

أزمة ديموغرافية تضرب سوق العمل
يواجه الاقتصاد الروسي تحديًا طويل الأمد يتمثل في تراجع عدد السكان بسبب انخفاض معدلات الإنجاب والخسائر البشرية المرتبطة بالحرب والهجرة المتزايدة. وقد أدى ذلك إلى نقص حاد في العمالة، انعكس في انخفاض معدل البطالة إلى مستويات متدنية للغاية، وهو مؤشر لا يعكس قوة اقتصادية بقدر ما يكشف عن نقص القوى العاملة. ويرى خبراء أن هذه الأزمة الديموغرافية تمثل أحد أكبر التحديات الهيكلية أمام الاقتصاد الروسي على المدى البعيد.

سياسات نقدية صارمة تزيد من التباطؤ
حاول البنك المركزي الروسي كبح التضخم من خلال رفع أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة وصلت إلى 21%، ما أدى إلى تقليص القروض والاستثمارات، وزاد من الضغوط على قطاع الأعمال والعقارات. ويرى بعض الاقتصاديين أن هذه السياسات، رغم ضرورتها لمواجهة التضخم، ساهمت في إبطاء النمو الاقتصادي، ما يعمّق حالة الركود الحالية.

تراجع التفاؤل الشعبي مع استمرار الحرب
أظهرت استطلاعات رأي داخل روسيا تراجعًا في ثقة المواطنين بالاقتصاد مقارنة بالسنوات الأولى للحرب، حيث ارتفعت نسبة الذين يرون أن الأوضاع الاقتصادية تسوء تدريجيًا. ويثير هذا التحول تساؤلات حول مدى تأثير الضغوط الاقتصادية على الاستقرار الداخلي، رغم استمرار سيطرة الدولة على المشهد السياسي والإعلامي.

هل يؤثر الركود على مسار الحرب في أوكرانيا؟
يرى محللون أن الاقتصاد الروسي لا يزال قادرًا على تمويل الحرب في المدى القريب، مستفيدًا من انخفاض مستويات الدين العام وإمكانية زيادة الضرائب أو طباعة الأموال أو بيع أصول حكومية. ومع ذلك، فإن استمرار انخفاض أسعار النفط أو تشديد العقوبات قد يضع موسكو أمام تحديات مالية متزايدة. وفي هذا السياق، يشير بعض الخبراء إلى أن بوادر العودة إلى المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا قد تكون مرتبطة جزئيًا بتزايد الضغوط الاقتصادية على الكرملين.

اقتصاد حرب لا يمكن أن يستمر إلى الأبد
رغم قدرة روسيا على التكيف مع العقوبات وإيجاد بدائل مالية وتجارية، فإن الاعتماد المكثف على الإنفاق العسكري يخلق اختلالات هيكلية في الاقتصاد. ويجمع خبراء على أن موسكو تستطيع الاستمرار في تمويل الحرب خلال السنوات القليلة المقبلة، لكنها ستواجه تحديات متزايدة مع استمرار الضغوط الاقتصادية والديموغرافية، ما يجعل مستقبل الحرب مرتبطًا بشكل وثيق بقدرة الاقتصاد الروسي على الصمود.



