تقرير: جدل في سويسرا حول «دبلوماسية سبائك الذهب» في صفقة الرسوم مع إدارة ترامب

يثير الاتفاق التجاري الأولي بين سويسرا والولايات المتحدة، الذي خفّض الرسوم الجمركية الأميركية على الصادرات الصناعية السويسرية من 39٪ إلى 15٪، عاصفةً سياسية في برن بسبب ما بات يُعرف بـ«دبلوماسية سبيكة الذهب» ودور كبار المديرين التنفيذيين في تمرير الصفقة داخل البيت الأبيض.
1. صفقة تجارية كبيرة… بثمن سياسي مرتفع
الاتفاق، الذي اعتبرته الحكومة السويسرية «إنجازًا مهمًا» بعد أشهر من التعثر مع إدارة ترامب، يَعِدُ بتخفيف عبء الرسوم المرتفعة على صادرات رئيسية مثل الساعات، والشوكولاتة، والآلات.
لكن طريقة الوصول إلى هذا الاتفاق طغت على مضمونه: وفد من كبار رجال الأعمال السويسريين من شركات مثل Rolex، وRichemont، وPartners Group، وMSC، وMKS PAMP زار البيت الأبيض، وقدّم لترامب سبيكة ذهبية منقوشة وساعة/ساعة حائط Rolex في إطار ما اعتُبر «مجاملة» سياسية واقتصادية ثقيلة الرمزية.
2. «كأس مسمومة» واتهامات بـ«دبلوماسية الأوليغارشية»
أحزاب اليسار والخضر قادت الهجوم:
رئيسة حزب الخضر ليزا ماتسوني وصفت الصفقة بأنها «كأس مسمومة»، متّهمة الحكومة بالحصول على التنازلات الأميركية عبر «أساليب مشبوهة وهدايا ذهبية».
الاشتراكيون الديمقراطيون انتقدوا بشدة أن تُدار السياسة الخارجية والاقتصادية «في اجتماعات سرية مع مليارديرات ورؤساء شركات».
صحف محلية تحدثت عن «استيلاء الأوليغارشية» واعتبرت مشهد الذهب والـRolex في المكتب البيضاوي مظهرًا «نافراً» لا يُشبه صورة سويسرا التقليدية كدولة منضبطة ومتواضعة في دبلوماسيتها.
بعض الأصوات ذهبت إلى حد القول إن ما جرى «يقترب من الفساد»، حتى لو كان قانونيًا وشبه علني، لأن الرمزية البصرية للذهب والساعة الفاخرة أمام رئيس أميركي تعوّد على لغة الصفقات الشخصية تُضعف صورة سويسرا كـ«ركيزة للقانونية والحياد».
3. بين براغماتية اقتصادية وقلق أخلاقي وسياسي
على الجانب الآخر، أحزاب اليمين ودوائر الأعمال ترى الصورة بشكل مختلف:
حزب الشعب اليميني يدعم الاتفاق باعتباره مكسبًا استراتيجيًا لصناعة التصدير السويسرية في مواجهة الرسوم العقابية الأميركية.
قيادات الحزب الليبرالي (FDP) تعتبر أن تنسيق السياسة مع قطاع الأعمال «إيجابي في جوهره» ما دام يتم داخل إطار واضح، حتى لو كانت هناك تحفظات على بعض التنازلات في ملف الزراعة وفتح الباب أمام منتجات أميركية مثل اللحوم.
رجال الأعمال المشاركون دافعوا عن أنفسهم بالقول إن ما حدث هو «تعاون بنّاء بين القطاعين العام والخاص» لسد فجوة تفاوضية كانت تهدد آلاف الوظائف والصادرات.
بهذا المعنى، تتحول القضية إلى صراع سرديات:هل ما حصل براغماتية ذكية في التعامل مع إدارة ترامب؟ أم انزلاق خطير نحو «دبلوماسية الهدايا الفاخرة» على حساب الشفافية والصورة المؤسسية؟
4. معركة البرلمان والاستفتاء المحتمل
رغم دخول التعريفة المخفّضة (15٪) حيز التنفيذ مؤقتًا، ما زال الطريق السياسي طويلًا:
تحتاج الحكومة إلى تفويض من البرلمان لبدء المفاوضات الرسمية الكاملة.
أي اتفاق نهائي يجب أن يُقرّ في غرفتي البرلمان، مع احتمال كبير أن يُطرَح في استفتاء شعبي ضمن النظام الديمقراطي السويسري المباشر.
الجدل الحالي حول «سبيكة الذهب» والـRolex قد يُبطئ المسار التشريعي، أو يرفع كلفة تمرير الاتفاق سياسيًا وإعلاميًا.
حتى داخل الحكومة هناك اعتراف بأن التواصل مع الرأي العام كان ضعيفًا، وأن إشراك رجال الأعمال بهذه الصورة دون إعداد سردية دفاعية قوية سهّل على المعارضين تصوير المشهد كأنه «صفقة بين نخبة مالية وبيت أبيض شعبوي».
5. صورة سويسرا بين السمعة المالية والضغط الجيوسياسي
القضية لا تتعلق فقط بالرسوم الجمركية، بل أيضًا بـ:
سمعة سويسرا كدولة حريصة على القانون الدولي والشفافية.
حساسيتها تجاه فكرة النفوذ المالي والذهبي في السياسة، خاصة بعد سنوات من الضغط الدولي على سرية البنوك السويسرية.
سباق الدول الأوروبية لانتزاع شروط أفضل مع إدارة ترامب، حيث سبقت لندن وبروكسل برن إلى اتفاقات تفضيلية، ما وضع سويسرا تحت ضغط إضافي لـ«إخراج ورقة قوية من يدها»، فجاءت ورقة رجال الأعمال والهدايا الفاخرة.
في الجوهر، يعكس هذا الجدل سؤالًا أوسع:إلى أي مدى يمكن أن تقبل سويسرا أن يُختزل نفوذها الدبلوماسي في صورة «دبلوماسية الذهب والرفاهية»، حتى لو جنت من وراء ذلك مكاسب تجارية ملموسة؟

إقرأ أيضا:
أزمة جديدة تضرب نقابة الموسيقيين… حلمي عبدالباقي يتقدم ببلاغ رسمي ضد مصطفى كامل



