ماذا تكشف مقاومة شيكاغو لـ ICE عن كيفية مواجهة القمع؟

يعرض هذا المقال قراءة معمّقة لواحدة من أهم التجارب المجتمعية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة: مقاومة سكان حي Rogers Park في شيكاغو لمداهمات وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية ICE. التجربة ليست مجرد احتجاج محلي، بل نموذج يوضح كيف يتشكل التضامن الشعبي عندما تبدأ الدولة في تخطي حدود القانون، وكيف تتحول القوانين نفسها إلى أدوات للاضطهاد إذا لم تُقاوم مبكراً.
منذ أن ألغت إدارة ترامب القاعدة التي تمنع اعتقال المهاجرين قرب المدارس والكنائس والمستشفيات، انقلبت حياة آلاف الأسر في أمريكا رأساً على عقب. مدارس امتلأت بالكراسي الفارغة، وأطفال لا يجرؤون على الخروج من منازلهم، وأحياء كاملة أصبحت تعيش في حالة تأهب دائم. في مواجهة هذا الواقع، نظّم سكان Rogers Park شبكة مقاومة مدنية غير عنيفة: مراقبة تحركات سيارات ICE، إطلاق صافرات إنذار مشفّرة، التدخل لعرقلة الاعتقالات، وحماية الكنائس من المداهمات.
القصة التي يكشفها برنامج Criminal الإذاعي لا تتعلق فقط بالمهاجرين، بل بجوهر العلاقة بين المواطن والدولة عندما تتحول الأخيرة إلى قوة تفرض الخوف بدلاً من القانون. ما يثير القلق هو كيف يتطبع المجتمع مع هذا النوع من القمع يوماً بعد يوم، وكيف تعمل العقلية الجماعية، أو ما سماه المفكرون الألمان Gleichschaltung، على توحيد المؤسسات حول خطاب سلطوي من دون مقاومة. التجربة تحذير عالمي: القمع لا يبدأ فجأة، بل يتسلل تدريجياً، ويصبح أخطر عندما يلتزم الناس بالصمت.
كيف قاوم سكان شيكاغو؟
• تشكيل مجموعات إنذار مبكر تعتمد على صافرات مختلفة للتنبيه إلى وجود دوريات ICE.
• تدخل مباشر لمنع الاعتقالات عبر التحرك الجماعي وتطويق الشاحنات.
• حماية المدارس والكنائس عبر وجود شعبي مستمر يردع المداهمات.
• خطوط هاتفية تتلقى مئات الإنذارات يومياً لمنع أي عملية ترحيل.
• وضع بدائل آمنة لمرور الأطفال إلى مدارسهم عبر متطوعين.
هذه الأساليب، رغم بساطتها، أربكت أجهزة إنفاذ الهجرة، وأثبتت أن الاحتجاج المنظم قادر على إبطاء آلة القمع.
تحليل سياسي: ما وراء السلوك الاجتماعي؟
ترى الكاتبة زوي ويليامز أن المشكلة الحقيقية ليست ICE نفسها، بل تطبيع المجتمع الأميركي للقمع. الديمقراطيون يقدمون إحصاءات لإثبات أن أغلب المعتقلين ليسوا مجرمين، لكنهم لا يجرؤون على تسمية ما يحدث باسمه: خطف من الشوارع.
هنا يظهر مفهوم غليخ شالتونغ، أو “التنسيق القسري”، الذي وصفه الفلاسفة الألمان لتفسير كيف تتحول المجتمعات ديمقراطياً إلى التزام جماعي بالصمت. الأغلبية تتبع القطيع، لا من باب الإيمان بالنظام، بل من أجل الشعور بالانتماء للأغلبية.
تداعيات عالمية: أوروبا على الطريق نفسه؟
الولايات المتحدة تصدر الآن خطابها المعادي للمهاجرين عبر دبلوماسيين مثل ماركو روبيو، الذين يضغطون على الحكومات الأوروبية لتجريم المهاجرين. ومع صعود اليمين في أوروبا، فإن هذه الحالة ليست بعيدة عن الأحياء البريطانية أو الفرنسية، التي شهدت حالات مشابهة من مقاومة المواطنين لاعتقالات جائرة.
الدروس المستفادة: متى يجب مقاومة القمع؟
• لا تنتظر حتى تصبح الدولة سلطوية بالكامل.
• رفض خطاب الكراهية أول خطوة لوقف تسلل الفاشية.
• التضامن الشعبي قادر على تغيير ميزان القوى.
• كل موجة جديدة من سياسات معاداة المهاجرين يجب أن تُسأل: “كم تبقى على منتصف الليل؟”.
خلاصة
ما يجري في Rogers Park ليس قصة محلية، بل تحذير عالمي: القمع يبدأ بصمت الأغلبية، وينتهي باختفاء حقوق الأقليات. المجتمعات التي تقاوم مبكراً هي وحدها التي تمنع الانهيار الأخلاقي للمؤسسات. والسؤال الذي تطرحه الكاتبة يجب أن يصبح معيار كل مجتمع: هل اقتربنا من منتصف الليل؟

إقرأ أيضا:
نجوم الفن يحتشدون في ماستر كلاس هاني رمزي بشرم الشيخ والمهرجان يستعد لتكريمه



