حقيقتانِ
(حقيقتانِ)
حقيقتانِ عَن شاعِرِ العربيةِ الأَوَّلِ.
يقولُ الشاعرُ المُفْلِق، والبَلِيغُ الذي بحْرُ بلاغتِهِ مُغْرِق: أحمدُ بن الحسينِ، المُلقَّبُ، بأبي الطيبِ المتنبي،
وكانَ في صِباهُ.
فاطلبِ العِزَّ في لَظَىٍ
ودَعِ الذُّلَّ
ولَو كانَ
في جِنانِ الخُلودِ
ما بقَِوْمِي شَرُفْتُ
بل شَرُفُوا بِي
وبِنفسي فَخَرتُ
لا بِجِدُودِي
وبِهِمْ فخرُ
كلُّ مَنْ نَطَقَ الضَّادَ
وعوذُ الجَانِي
وغَوْثُ الطَّرِيدِ
أَنَا
تِرْبُ النَّدَى
ورَبُّ القَوافِي
وسِمَامُ العِدَا
وغَيْظُ الحَسُودِ
أَنَا
في أُمَّةٍ
تَدَارَكَها اللهُ
غَرِيبٌُ
كَصَالحٍ في ثَمُودِ
وهذه الأبيات:
هي سببُ إطلاقِ عليهِ لقبُ المتنبي عليهِ.
خاصةً البيتِ الأخيرِ، علَى أنَّهُ لم يَثْبُتْ عنهُ تاريخِيًّا،
ادّعاءُ النُّبوَّةِ صراحةً، بل عاشَ إنسانًا، شاعرًا
حكيمًا، وأنْعِمْ بهاتينِ مِن صِفتينِ.
وهذه هي أُولَى الحَقائِقِ التي أُردْتُ أن أسوقها للقارئ.
*
أمَّا الحقيقةُ الثانيةٌ:
لِمَا قيلَ عَن سببِ قَتلهِ، عَن عُمرٍ ناهَز الثلاثَةَ وخمسينَ عاما، وهو البيتُ الشهيرِ.
الخيلُ والليلُ والبَيْدَاءُ تعرِفُني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
عندما همَّ بالرجوعِ من طريقهِ،
وَوُجِهَ بهذا البيتِ الذي قد قاله، في قصيدة العتابِ الشهيرةِ، التي قالَها في سيفِ الدولةِ الحمدانيٍِِّ،
التي مطْلَعُها:
واحَرَّ قَلْباهُ مِمَّن قلبُهُ شَبِمُ
ومَن بِجسمي وحالي عِنْدَهُ سَقَمُ
وقيلَ له: عَرفناكَ في القِرْطاسِ، أي (الورق)، والقلمِ فأينَ أنتَ؟ مِن السيفِ والرمحِ، فأبْدَى شَجاعةً فأكْملَ طريقَه فقُتلَ.
لكنَّ السَّببَ الحَقيقيَّ، والزَّريعةَ الأَصْليةَ وراءَ قتلِهِ، مِنْ نَفسِ الشَّخصِ، الذي قَتلَهُ بالفعلِ،، وهو فاتكٌ بنُ أبي جهلٍ الأسديِّ؛ لأنَّ المتنبيَّ قد هَجَا ابنَ أختِهِ، ضُبَّة الأسَدي.
في قصيدتهِ، التي أرْبَأُ بنفسي، وبنفسِ القارئِ، أنْ أَسُوقَها وأشرحَها، فهيَ تَحْتاجُ لشَرْحٍ وَفَيْرٍ.
وفيها نالَ المتنبيُّ مِن شَخْصِ ضبةَ هذا، بِصورةٍ شاذَّة، ادَّعَى فيها المتنبيُّ عليه بالشذوذِ.
ووَصَفَهُ بأقْذَعِ الألفاظِ وأنْباها، ثمَّ نالَ مِن أمِّه أيضًا وهَجَاهَا.
وتلك القصيدةُ ذاتَ وزنٍ صعبٍ، على الأذن في موسيقاهُ، وثِقَلِ قافيتهِ، التي قَلَّ أن تُستعملَ كقافيةٍ، بحرف روِّيها وذلك في بائِيَّتِهِ التي مَطْلَعُها:
“ما أنصفَ القومَ ضبةْ
وأمَّه الطُّرَّطُبِّةْ”
وهذهِ هي الحقيقَةُ الثَّانِيَةُ، التي وَدِدْتُ أن تَتَعَرَّفَ عليها،
صَديقِي الحَبِيبِ.



