الجارديان البريطانية: لم يُنبذ إبستين بسبب جرائمه، بل أصبح أكثر جاذبية لبعض الرجال النافذين.
تكشف دفعة جديدة من الوثائق المرتبطة بالممول الأمريكي الراحل جيفري إبستين عن صورة أكثر تعقيدًا وصدمة لعلاقاته مع النخب العالمية، حيث تشير آلاف الرسائل والمراسلات إلى أن الرجل لم يُقصَ اجتماعيًا أو سياسيًا بعد إدانته بجرائم الاعتداء الجنسي على قاصرات عام 2008، بل تحول – بالنسبة لبعض الشخصيات النافذة – إلى شخصية يُنظر إليها كمستشار في العلاقات الجنسية والاجتماعية، بل وكمصدر للنصيحة حول كيفية التعامل مع تداعيات حركة “#MeToo”.
الوثائق الجديدة، التي تضم ملايين المستندات التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية جزئيًا، تسلط الضوء على شبكة واسعة من العلاقات امتدت إلى عوالم السياسة والتكنولوجيا والمال والأكاديميا وهوليوود، وتكشف أن كثيرًا من هذه العلاقات استمر – بل وتعزز أحيانًا – رغم الفضيحة التي أطاحت بسمعة إبستين عالميًا.
إبستين كـ”مستشار للنخب” بعد الفضيحة
تشير الوثائق إلى أن إبستين لم يُنظر إليه داخل بعض الدوائر الثرية باعتباره شخصًا منبوذًا، بل كخبير في العلاقات الشخصية والجنسية، حيث لجأ إليه عدد من الشخصيات المؤثرة للحصول على نصائح عاطفية أو للتعرف على نساء أو حتى لمناقشة تداعيات الاتهامات المرتبطة بالتحرش والاعتداء الجنسي.
وتوضح المراسلات أن بعض هؤلاء الأشخاص تعاملوا مع إبستين باعتباره منظمًا للحفلات الخاصة ومصدرًا للمعارف الاجتماعية، وهو ما يعكس – وفق ما يظهر في الوثائق – مستوى مقلقًا من التساهل مع تاريخه الجنائي، بل وربما تجاهلًا متعمدًا له.
رسائل تكشف طبيعة العلاقات بين إبستين وشخصيات بارزة
من بين الرسائل التي لفتت الانتباه، مراسلات يُقال إنها تعود إلى الملياردير إيلون ماسك عام 2012، طلب خلالها ترتيب زيارة إلى جزيرة إبستين وسأل عن موعد إقامة حفلة وصفها بأنها “الأكثر جنونًا”، رغم تصريحات لاحقة لماسك أكد فيها رفضه زيارة الجزيرة.
كما كشفت الرسائل عن تبادل نصائح عاطفية بين إبستين والاقتصادي الأمريكي لاري سامرز، حيث ناقشا – وفق الوثائق – كيفية إقامة علاقة جنسية مع امرأة أصغر سنًا، في محادثات أثارت جدلًا واسعًا بشأن طبيعة العلاقات داخل النخب السياسية والاقتصادية.
شبكة علاقات تمتد إلى عالم المال والترفيه
وتتضمن الوثائق أيضًا تواصلًا بين إبستين وشخصيات بارزة في عالم الأعمال والترفيه، من بينهم مالك فريق نيويورك جاينتس لكرة القدم الأمريكية ستيف تيش، الذي طلب – وفق الرسائل – ترتيب لقاءات مع نساء قُدمن إليه من خلال إبستين، مع تساؤلات متكررة حول ما إذا كن عاملات في مجال الدعارة.
وتكشف هذه المراسلات عن الدور الذي لعبه إبستين كوسيط اجتماعي للنخب الثرية، حيث كان يستخدم نفوذه وعلاقاته لتوفير شبكة علاقات شخصية معقدة تجمع بين رجال المال والسياسة والمشاهير.
إبستين وحركة #MeToo: من متهم إلى “خبير في إدارة الأزمات”
وتظهر الوثائق أن إبستين كان يرى في تصاعد حركة #MeToo فرصة لتعزيز مكانته داخل بعض الدوائر، إذ كتب في إحدى الرسائل أن موجة الاتهامات بالتحرش الجنسي ضد شخصيات بارزة جعلت البعض يلجأ إليه طلبًا للنصيحة حول كيفية التعامل مع هذه القضايا.
كما تكشف المراسلات عن لجوء بعض الأكاديميين والشخصيات العامة إليه للحصول على دعم أو مشورة قانونية وإعلامية في مواجهة اتهامات بسوء السلوك الجنسي، ما يثير تساؤلات حول طبيعة شبكات الحماية التي كانت تحيط ببعض الشخصيات النافذة.
مواقف نسائية أثارت الجدل داخل الوثائق
ولم تقتصر المراسلات على الرجال، إذ أظهرت الوثائق تواصل عدد من النساء مع إبستين لمناقشة قضايا مرتبطة بحركة #MeToo وانتقادها، حيث تضمنت بعض الرسائل تشكيكًا في شهادات ضحايا الاعتداء الجنسي أو الدفاع عن شخصيات متهمة بارتكاب تلك الجرائم.
وتشير هذه المراسلات إلى وجود انقسامات داخل النخب حول الحركة، إذ رأى البعض أنها تجاوزت حدودها، بينما اعتبرها آخرون خطوة ضرورية لكشف أنماط إساءة السلطة داخل المؤسسات السياسية والثقافية.
شبكة نفوذ تكشف طبيعة السلطة في دوائر النخبة
تكشف الوثائق، بمجملها، عن شبكة علاقات معقدة جمعت إبستين بشخصيات نافذة في مجالات متعددة، وتطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة السلطة والنفوذ داخل هذه الدوائر، ومدى استعداد بعض الشخصيات لتجاهل الجرائم مقابل الحفاظ على المصالح أو العلاقات الشخصية.
كما تعكس الوثائق – وفق ما يرى محللون – خللًا في آليات المساءلة داخل النخب السياسية والاقتصادية، حيث استمرت علاقات الصداقة والتعاون مع إبستين رغم إدانته، وهو ما أثار موجة جديدة من الجدل حول ثقافة الإفلات من العقاب.



