300 ألف مُسيّرة.. كيف تستعد أمريكا لأكبر جيش طائرات بدون طيار في التاريخ؟
أطلقت وزارة الحرب الأميركية، بقيادة بيت هيغسِث، أضخم برنامج لتصنيع الطائرات المسيّرة في تاريخ الولايات المتحدة. فالمبادرة الجديدة، التي تُعرف بـ “برنامج هيمنة المسيّرات” (DDP)، تستهدف إنتاج أكثر من 300 ألف طائرة صغيرة خلال السنوات المقبلة، في تحول جذري نحو أنظمة غير مأهولة رخيصة وسريعة التصنيع وقابلة للاستهلاك القتالي في بيئات عالية التهديد.
البرنامج لا يهدف فقط إلى مضاعفة القوة النيرانية أو توسيع قدرات الاستطلاع، بل إلى تغيير شكل الحرب نفسها عبر إدخال مفهوم “الكتلة” إلى العمليات الأميركية—كتلة من المسيّرات منخفضة التكلفة، ذات جاهزية عالية، يمكن الزج بها في المهام الخطرة دون خسائر بشرية.
نطاق التصعيد: أرقام إنتاج غير مسبوقة
تُظهر الوثائق الداخلية أن البنتاغون يستهدف إنتاج نحو 30 ألف مسيّرة بحلول يوليو 2026، ثم الارتفاع إلى أكثر من 200 ألف منصة بحلول 2027، وصولاً إلى الهدف النهائي البالغ 300 ألف مسيّرة موزعة على مختلف أفرع القوات المسلحة.
التكلفة الأولية للوحدة لا تتجاوز 5 آلاف دولار فقط، مع توقع هبوط السعر مع التوسع في خطوط الإنتاج—وهو نموذج مستوحى من حروب أوكرانيا وغزة، حيث لعبت المسيّرات التجارية دورًا يفوق بكثير قيمتها المادية.
هيغسِث يؤكد أن المسيّرات لم تعد أجهزة استطلاع هامشية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من المناورة، والضربات، والسيطرة على ساحة المعركة الحديثة.

كيف ستتدرب الوحدات الأميركية على “حرب المسيّرات”؟
توجيه هيغسِث بدمج المسيّرات في “كل تدريبات القتال ذات الصلة” يضع الجيوش الأميركية أمام معادلة جديدة بالكامل. فالجيوش مثقلة أصلًا بجداول تدريبية مزدحمة، بينما تتطلب الحرب الحديثة:
-
بيئات حرب إلكترونية واقعية
-
تدريبات على مواجهة مسيّرات العدو
-
دمج المسيّرات مع الدبابات والمدفعية والمشاة
-
محاكاة السِّرْب والهجمات المنسَّقة
السؤال الحقيقي: كم من الوقت سيحتاج الجنود لاكتساب الكفاءة في القتال داخل بيئة مزدحمة بالتصدي والتشويش والاستهداف المتبادل؟

أين ستُخزَّن هذه الأعداد الضخمة من المسيّرات… وكيف ستُصان؟
وجود مئات الآلاف من المسيّرات يعني ظهور عبء لوجستي جديد بالكامل. فالمسيّرات رخيصة لكنها:
-
تحتاج بطاريات تُستبدل دوريًا
-
يمكن أن تتلف بالتخزين السيئ
-
تتطلب قطع غيار وسلاسل توريد ثابتة
-
تحتاج أماكن تخزين مجهَّزة
-
تتطلب عمليات فحص وتصنيف وتدوير مستمر
القوات الأميركية تملك خبرة كبيرة مع المقاتلات والدبابات، لكن البنية التحتية الخاصة بمعدات “قابلة للاستهلاك” بهذا الحجم ما تزال غير جاهزة.

من سيدير هذه المسيّرات؟ وأين ستوضع في سلسلة القيادة؟
نجاح الهجمات الجماعية يعتمد على كيفية التحكم بها. فالنموذج الأميركي التقليدي يضع المسيّرات بيد وحدات متخصصة، أما اليوم فالاتجاه هو:
-
منح المسيّرات للوحدات الصغيرة
-
نشرها على مستوى الفصيلة أو السرية
-
توفير قدرات استطلاع وضرب محلية
لكن ذلك يخلق أسئلة معقدة:
-
من يتخذ قرار الإطلاق؟
-
كيف تُدار أسراب متعددة في بيئة مليئة بالتشويش؟
-
هل سيكون التحكم مركزيًا أم موزعًا؟
-
كيف يُؤمَّن المجال الجوي للوحدات البرية أثناء تحليق أسراب ضخمة؟
هذه الأسئلة ستحدد شكل العقيدة العسكرية لعقود مقبلة.

كيف ستُدار دورة حياة المسيّرات “القابلة للاستهلاك”؟
رغم أن المسيّرات قابلة للفناء، يبقى على الوحدات العسكرية:
-
تسجيل ما استخدم وما تبقى
-
الإبلاغ عن الأعطال
-
تتبع مخزون الهجمات
-
التصرف في المسيّرات التالفة أو المتهالكة
مع مئات الآلاف من الوحدات، ستحتاج القوات الأميركية إلى سياسات محاسبية جديدة بالكامل لا تُثقل كاهل الوحدات في الميدان.

هل يستطيع القطاع الصناعي الأميركي توفير هذا الحجم من المكوّنات؟
البرنامج يعتمد على قدرة الصناعة الأميركية على إنتاج:
-
المحركات
-
البطاريات
-
وحدات الاتصال
-
الحساسات
-
الأنظمة الإلكترونية المعقدة
السؤال الأهم: هل يمكن ضمان سلسلة توريد مستقرة، خصوصًا في ظل منافسة عالمية شرسة وقيود على تصنيع بعض المكونات الدقيقة؟
إن أي اضطراب في بطاريات الليثيوم أو الشرائح الإلكترونية قد يعرقل البرنامج بأكمله.

برنامج يتقدم بسرعة… لكن التنفيذ سيحدد النتيجة
يراهن هيغسِث على تغيير ميزان القوة عبر تحويل المسيّرات إلى عنصر مركزي في كل معارك البر والبحر. وإذا نجح الإنتاج بالوتيرة المخططة، فقد تدخل الولايات المتحدة عصرًا جديدًا من الحرب يعتمد على:
-
الكتلة بدل المنصات الفاخرة
-
السرعة بدل التعقيد
-
الضربات المتوزعة بدل القوة المركزة
لكن النجاح لن يُقاس بعدد المسيّرات المنتَجة، بل بقدرة الجيش على تدريب الوحدات، وتخزين الأنظمة، وتطوير العقيدة، وضمان سلاسل الإنتاج.
فالبرنامج يحمل بالفعل ملامح ثورية، لكن الأسئلة الخمسة أعلاه ستحدد إن كان سيمنح واشنطن أفضلية عسكرية طويلة الأمد… أم سيتحول إلى عبء لوجستي ضخم.
اقرأ ايضَا:الجيش السوري يكشف عن ناقلات مدرعة تركية الصنع خلال عرض عسكري في دمشق



