التحرش بالأطفال: جريمة خفية وآثار ممتدة تهدد الصحة النفسية والمجتمع
يُعد التحرش بالأطفال من أخطر الجرائم التي تنتهك حقوق الإنسان الأساسية، لما يحمله من أبعاد نفسية وجسدية وسلوكية عميقة، لا تقتصر آثارها على مرحلة الطفولة فقط، بل تمتد في كثير من الحالات إلى مراحل متقدمة من العمر. وتزداد خطورة هذه الجريمة كونها غالبًا ما تحدث في دوائر قريبة من الطفل، مثل الأسرة أو المدرسة أو المحيط الاجتماعي، ما يجعل اكتشافها أكثر تعقيدًا.
ويواجه الأطفال صعوبة كبيرة في التعبير عمّا يتعرضون له، إما بسبب الخوف، أو الشعور بالذنب، أو عدم إدراكهم لطبيعة الانتهاك، وهو ما يفرض على الأسرة والمجتمع مسؤولية كبرى في الانتباه إلى العلامات التحذيرية المبكرة.
أولًا: العلامات النفسية للتحرش بالأطفال
تُعد الآثار النفسية من أخطر نتائج التحرش، وغالبًا ما تكون أول ما يظهر على الطفل، حتى في غياب أي علامات جسدية واضحة. وتشمل هذه العلامات:
1. القلق والخوف المزمن
يظهر الطفل حالة دائمة من التوتر، مع خوف غير مبرر من مواقف أو أشخاص، وقد يرفض البقاء بمفرده أو يطلب وجود شخص بالغ بجواره بشكل مستمر.
2. الاكتئاب والحزن المستمر
يعاني الطفل من نوبات حزن، بكاء متكرر، فقدان الاهتمام بالألعاب أو الأنشطة التي كان يستمتع بها سابقًا، وقد يظهر عليه الإحباط واليأس.
3. الشعور بالذنب والعار
كثير من الأطفال يحمّلون أنفسهم مسؤولية ما حدث، خاصة إذا تعرضوا للتهديد أو التلاعب النفسي، ما يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات وفقدان الثقة بالنفس.
4. اضطرابات النوم
تشمل الكوابيس المتكررة، الأرق، الخوف من النوم بمفرده، أو الاستيقاظ المفاجئ مع صراخ أو فزع.
5. صعوبات التركيز والتراجع الدراسي
يؤدي الضغط النفسي إلى ضعف التركيز، انخفاض التحصيل الدراسي، أو فقدان الاهتمام بالمدرسة بشكل ملحوظ.
ثانيًا: العلامات الجسدية للتحرش بالأطفال
رغم أن التحرش لا يترك دائمًا آثارًا جسدية واضحة، إلا أن هناك مؤشرات جسدية قد تدق ناقوس الخطر، وتستدعي الانتباه الجاد:
1. آلام أو شكاوى جسدية غير مبررة
قد يشكو الطفل من آلام متكررة دون سبب طبي واضح، مثل آلام البطن أو الصداع، والتي تكون في كثير من الأحيان انعكاسًا للضغط النفسي.
2. إصابات أو التهابات متكررة
ظهور إصابات غير مفسرة، أو التهابات متكررة، يستوجب المتابعة الطبية الدقيقة دون تجاهل.
3. تغيرات في وظائف الإخراج
مثل التبول اللاإرادي أو التبرز اللاإرادي المفاجئ، خاصة إذا كان الطفل قد تجاوز هذه المرحلة العمرية سابقًا.
4. صعوبة في الحركة أو الجلوس
قد يلاحظ الأهل أو المعلمون صعوبة لدى الطفل في الجلوس أو المشي، أو تجنب أوضاع معينة دون سبب واضح.
ثالثًا: العلامات السلوكية للتحرش بالأطفال
التغيرات السلوكية تُعد من أكثر المؤشرات وضوحًا، وغالبًا ما تكون رسالة غير مباشرة من الطفل لطلب المساعدة:
1. الانسحاب الاجتماعي
انعزال الطفل، تجنبه للأصدقاء، أو فقدان الرغبة في التفاعل مع الأسرة والمحيطين به.
2. الخوف من أشخاص أو أماكن محددة
رفض الذهاب إلى مكان معين (المدرسة، منزل أحد الأقارب، نشاط رياضي)، أو إظهار قلق شديد عند رؤية شخص بعينه.
3. تغيرات حادة في السلوك
قد يتحول الطفل من الهدوء إلى العدوانية، أو العكس، وقد تظهر نوبات غضب غير مبررة أو سلوكيات تدميرية.
4. سلوكيات غير مناسبة للعمر
استخدام ألفاظ أو تصرفات لا تتناسب مع المرحلة العمرية للطفل، دون معرفة مصدرها.
5. التعلق المفرط أو الانفصال العاطفي
إما تشبث زائد بالأهل والخوف من الابتعاد عنهم، أو برود عاطفي واضح وانعدام التعبير عن المشاعر.
رابعًا: لماذا يصمت الأطفال؟
-
الخوف من العقاب أو عدم التصديق
-
التهديد أو الابتزاز من المتحرش
-
الشعور بالخجل أو الذنب
-
عدم الوعي بأن ما يتعرضون له يُعد جريمة
هذا الصمت يجعل مسؤولية الاكتشاف المبكر ملقاة على عاتق الكبار.
خامسًا: أهمية التدخل المبكر والدعم
التدخل المبكر يقلل من الآثار النفسية طويلة المدى، ويشمل:
-
الاستماع للطفل بهدوء ودون لوم
-
طمأنته بأنه غير مذنب
-
اللجوء إلى مختص نفسي مؤهل
-
إبلاغ الجهات المختصة وفق القوانين المعمول بها
-
توفير بيئة آمنة ومستقرة للطفل
خاتمة
التحرش بالأطفال جريمة لا تسقط بالتقادم الأخلاقي، وخطرها لا يهدد الطفل وحده، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله. إن الوعي بالعلامات النفسية والجسدية والسلوكية، والتعامل معها بجدية، يمثل حجر الأساس في حماية الأطفال وضمان حقهم في طفولة آمنة وصحية.



