أسطورة «تأنيث بيئة العمل» تخفي الأزمة الحقيقية في هوية الرجل

يتصاعد الخطاب الذي يحذر من «تأنيث مكان العمل»، وهي الفكرة التي روّجت لها الصحفية الأمريكية هيلين أندروز خلال مؤتمر المحافظين القوميين في واشنطن. وفق هذا الطرح، فإن تزايد وجود النساء في مواقع السلطة أدى إلى سيادة «قيم أنثوية» مثل التركيز على حلّ النزاعات، أو توسّع أدوار الموارد البشرية، أو تراجع المنافسة «العدوانية» التي ينظر إليها كتعبير عن الرجولة.
لكن هذه الرواية، رغم انتشارها، تقوم على خطأين جوهريين:
أولاً، الصور النمطية حول «الأنوثة» لا تمثل كل النساء، تماماً كما لا تعكس الصور النمطية حول «الرجولة» كل الرجال.
ثانياً، ليس ما نحتاجه «عالماً مؤنثاً»، بل عالماً أكثر عدالة ومساواة – عالماً نسوياً.
العمل ليس مؤنثًا… لكنه تاريخيًا مُعرّف كـ«رجولي»
لعدة قرون، أبعدت السياسات النساء عن التعليم والوظائف المهنية.
ومع أن النساء كنّ يعملن دائماً في مجالات الزراعة والخدمة والعمل المنزلي، إلا أن العمل المأجور خارج البيت اعتُبر «مجالاً ذكورياً»، ما جعل العمل نفسه مرتبطاً بهوية الرجل وقيمته الاجتماعية.
اليوم، يعيد بعض الأكاديميين – مثل سكوت جالوي في كتابه Notes on Being a Man – إنتاج هذا الربط بين الرجولة والعمل، حين يختزل «الرجولة» في النهوض فجراً، والعمل الشاق، وتوفير الدخل للأسرة.
ومع تراجع الأجور وتزايد البطالة، تُصوَّر الأزمة الاقتصادية باعتبارها «أزمة رجولة».
لكن الحقيقة أن الأزمة أعمق من ذلك بكثير.
العبء الذكوري: حين يُختزل الرجل في محفظته
الرجال اليوم محاصرون بتوقعات مستحيلة عن «الرجولة المثالية»:
الراتب المرتفع، المكانة المهنية، القدرة على الإعالة… كلها معايير تُعد جوهرية لهوية الرجل.
تقرير The State of UK Men يكشف أن:
88% من الرجال يرون أنّ دور الرجل هو توفير الدخل الأساسي.
أكثر من نصفهم يعتقدون أنه من المهم أن يكون الرجل هو المُعيل الأول.
40% لا يستطيعون تغطية احتياجاتهم اليومية.
وأكثر من نصفهم قلقون باستمرار بشأن مستقبلهم المالي.
هذه ليست «أزمة نساء يقتحمن العمل»… بل أزمة نظام يحمّل الرجال عبئاً لا يُحتمل.
وماذا عن النساء؟
تُعاني النساء من التحديات الاقتصادية نفسها، مع استمرار فجوة الأجور (13%) وارتفاع نسب العمل الجزئي وانفراد ملايين النساء بإعالة الأسر.
لكن المجتمع غالباً لا يرى فقر النساء باعتباره «أزمة للهوية»، كما يراها عند الرجال.
الرجال يحتملون عبء الصورة الذكورية… والنساء يحتملن عبء الفقر.
والجميع متضرر.
أين المشكلة الحقيقية؟ ليست في النساء… بل في التوقعات الجندرية
توقعات العمل الصارمة على الرجال تشبه متطلبات الجمال والأمومة المفروضة على النساء:
قواعد اجتماعية تحكمنا جميعاً، وتخلق شعوراً بالفشل عندما نعجز عن تحقيقها.
ماذا يحتاج الرجال بالفعل؟
ليس تقليص أعداد النساء في الوظائف.
بل سياسات عمل عادلة:
أجور تكفي للحياة
استقرار وظيفي
مرونة تسمح برعاية الأطفال
حماية من ارتفاع الإيجارات
إجازات مرضية عادلة
دعم للآباء للمشاركة في الحياة الأسرية
والأجمل أن الرجال يريدون ذلك أيضاً:
83% يؤمنون بتقاسم الرعاية المنزلية
80% يريدون دعمًا حقيقيًا للآباء ليكونوا أكثر حضورًا في أسرهم
الخلاصة
إذا كانت هذه القيم تُسمى «مؤنثة»، فلا بأس.
لكن الأكثر دقة أن نسميها قيمًا إنسانية… قيمًا نسوية.
فهذه ليست أزمة «تأنيث العمل»، بل أزمة هوية رجولية محاصرة بمعايير قديمة، وأزمة نظام اقتصادي يخذل الجميع.



