فايننشال تايمز تكشف: داخل “سلسلة الإمداد السرّية” التي تُغذّي حروب أمريكا وصعود Regulus Global
في وادٍ ضيق على الحافة الشمالية لسراييفو، حيث تلتصق المصانع بكتف الجبال المغطاة بالغابات، تعمل آلات تعود إلى زمن الحرب الباردة داخل مصنع Pretis البوسني وهي تضرب الفولاذ المتوهّج بعد تسخينه لأكثر من ألف درجة مئوية. كانت هذه المصانع يومًا جزءًا من منظومة أوروبية ضخمة لإنتاج قذائف المدفعية استعدادًا لحرب برية كبرى لم تقع. وبعد تسعينات القرن الماضي، خمدت خطوط إنتاج كثيرة، وتقاعد عمال المتفجرات المهرة، وبقيت المصانع الحكومية على قيد الحياة عبر تصدير كميات محدودة من الذخائر إلى صراعات بعيدة.
لكن هذا الهدوء لم يدم. ففي ربيع 2024، بدأت شركة أميركية حديثة التأسيس بشراء حصص في مصنع Pretis وفي مصنع آخر للأسلحة يدعى Binas. المفاجأة لم تكن في عملية الشراء وحدها، بل في هوية المشتري: شركة باسم Sitko Acquisition LLC بلا موقع إلكتروني، بلا فريق مُعلن، ولا أثر يذكر سوى صندوق بريد أميركي. وبصفقات متفرقة “منخفضة الضجيج” في بورصة سراييفو، أصبحت Sitko أكبر مساهم خاص في المصنعين، بعد الحكومة البوسنية مباشرة.
صفقة بلا ضوضاء… وأسئلة بلا إجابات
لم تثر التحركات في البداية اهتمامًا واسعًا. لكن القلة التي لاحظت شيئًا تساءلت: لماذا تدخل شركة أميركية مجهولة إلى واحد من أكثر القطاعات حساسية في البلقان؟ ولمصلحة من تُجمع حصص في منشآت تمتلك قدرة على إنتاج ذخائر مطلوبة عالميًا؟
المسار كان مموهًا بطبقات من السجلات والتسجيلات التجارية، قبل أن يقود إلى مكان غير متوقع: فيرجينيا بيتش، مدينة ساحلية أميركية ترتبط في المخيال العام بالفنادق والممشى البحري، لا بتجارة السلاح العابرة للحدود. هناك يظهر الاسم المحوري: ويل سوميريندايك، رجل في السابعة والأربعين، بدأ حياته كحالم بالبيسبول، ثم وسيط أسهم في “ميريل لينش”، قبل أن يتحول إلى متعاقد في منظومات لوجستية حساسة مرتبطة بالبنتاغون، ويؤسس لاحقًا شركة Regulus Global التي ستصبح قناة إمداد في حروبٍ تفضّل واشنطن أن تُديرها من مسافة.

كيف تغيّر شكل الحرب الأميركية؟
خلال العقد الماضي، أعادت الولايات المتحدة تشكيل طريقة “إسقاط القوة” خارج حدودها. بدلًا من نشر قوات كبيرة كما حدث في العراق وأفغانستان، ازداد الاعتماد على سلاسل إمداد خفية أو شبه مخصخصة، وعلى مقاولين ومتعهدين يوفّرون السلاح والذخيرة والتجهيزات لحلفاء ووكلاء وشركاء في ساحات متعددة من سوريا إلى اليمن ثم أوكرانيا. وبذلك أصبحت بعض المعارك تُحسم جزئيًا بعيدًا عن الجبهة: في الموانئ، والمخازن، وشبكات الوسطاء، وعقود الشراء، وشحنات الذخيرة التي تتحرك تحت رادار السياسة العلنية.
في هذا المشهد الجديد يبرز “نوع” مختلف من روّاد الحرب: ليس من يضغط الزناد، بل من يضمن أن السلاح يصل في الوقت المناسب، وبالمواصفات المناسبة، وبالمسار الذي يقلّل الأسئلة ويُعجّل التسليم. سوميريندايك هو نموذج لهذا التحول؛ رجل صاغته ثقافة “البيع الهاتفي القاسي” قبل أزمة 2008، ثم صقلته خبرات لوجستية مرتبطة بعمليات حساسة، حتى صار يفكر في الذخيرة كما تُفكر الأسواق في السلع: طلب، عرض، سعر، توقيت، وخطوط نقل.

من ملعب البيسبول إلى قاعات المال… ثم إلى سوق السلاح
في صيف 1999، كان سوميريندايك شابًا يراقب الرماة تحت الأضواء الكاشفة في ملعب فريق “نورفولك تايدز” وهو يحاول إنقاذ حلمه كلاعب محترف. نشأ على قاعدة بحرية، وتدرّب تحت هدير الطائرات، وتمسّك برمية “السلَيدر” التي تخدع الضارب قبل أن تهبط فجأة. لكنه أدرك في الجامعة أن فرصته تتلاشى. ثم انتقل في عام 2000 إلى عالم “ميريل لينش” في ذروة فقاعة الدوت كوم، حيث يُقاس النجاح بعدد المكالمات اليومية، والقدرة على الإقناع، وتحمّل الرفض.
هناك، ازدهر بأسلوب يقوم على الإصرار وتبديل الأقنعة: طرافة عند الحاجة، سحر حين يفيد، واندفاع دائم. لكنه حاول مرة أخرى العودة للبيسبول عبر مشروع جريء لنقل فريق محترف إلى فيرجينيا بيتش، قبل أن يفشل المشروع. ومع تعثر مهني لاحق واتهامات تنظيمية في مجال الأوراق المالية، وجد نفسه مضطرًا لبدء حلم ثالث، هذه المرة في تجارة أكثر تعقيدًا وخطورة: تجارة السلاح والعتاد.
تأسيس “ريغولَس”: البداية الصغيرة التي فتحت أبوابًا أكبر
في 2012 تقريبًا، وبينما كانت سوريا تنزلق إلى حرب أهلية قاسية وتبحث واشنطن عن وسائل تأثير غير مباشرة، كان سوميريندايك يسجل شركة جديدة برخصة لا تتجاوز 35 دولارًا. اختار لها اسمًا “صلبًا”: Regulus Global. استأجر مستودعًا بمساحة كبيرة، وبدأ يتصل بموردي الدفاع الصغار عارضًا بيع المخزون الفائض لديهم. أعاد والديه من التقاعد: الأم للإدارة، والأب للمبيعات. كانت الصفقات الأولى بسيطة: نظارات بالستية مستعملة، حافظات مسدسات، معدات تُباع أحيانًا في معارض سلاح محلية، أو حتى عبر الإنترنت. لكن الإيرادات تجاوزت سريعًا مليون دولار خلال عام واحد، لتبدأ الشركة بالتوسع تدريجيًا نحو معدات أكثر حساسية: رؤى ليلية، زي تكتيكي، وأخيرًا الذخائر.
سوريا كنقطة تحوّل: طلبٌ على “سلاح لا تصنعه أميركا”
مع الحرب السورية، احتاجت برامج أميركية سرّية أو شبه سرّية إلى تسليح جماعات تستخدم أسلحة من العيار السوفييتي: بنادق قديمة، قذائف RPG، وذخائر مدفعية ليست ضمن خطوط الإنتاج الأميركية التقليدية. هنا يصبح دور الوسطاء حاسمًا: من يملك شبكة في أوروبا الشرقية ويعرف المخازن، ويستطيع الشراء والشحن بسرعة، ويعرف كيف يمر عبر البيروقراطيات والتراخيص وشهادات المستخدم النهائي ومسارات العبور.
في 2014، جاء الاتصال من البنتاغون: الحاجة لمتعهدين يلبّون بسرعة، بينما الشركات الكبيرة بطيئة. عرض سوميريندايك “ميزة” ريغولس: التسليم في أقل من خمسين يومًا. بعدها، صعد على متن طائرة شحن سوفييتية من طراز “إليوشن” وهو يراقب تحميل الصناديق، معلنًا انتقاله من هامش السوق إلى قلب آلة الحرب الحديثة.

حادثة بلغاريا: حين تصبح الذخيرة “أرقامًا” وتدفع الأرواح الثمن
في 2015 وقعت حادثة قاتلة خلال تدريب مرتبط ببرنامج تسليح: انفجار قذيفة RPG قديمة ومُعيبة أودى بحياة متعاقد أميركي وأصاب آخرين. ظهرت لاحقًا دعاوى قضائية تتهم أطرافًا في سلسلة التعاقد بالإهمال وبالتعامل مع ذخائر غير آمنة. سوميريندايك قال إنه شعر بالسوء، لكنه أكد أن دور شركته كان توريد معدات لا إدارة تدريب أو سلامة ميدان، ونفى مسؤوليتها عن القذيفة التي قتلت المتعاقد.
المفارقة هنا أن اللغة التي تحكم السوق تظل باردة: الذخيرة “وحدة تخزين” في قائمة، “SKU” في جدول، رقم وعقد وشحنة. وفي عالم يتحرك عبر وسطاء متعددين ومقاولين من الباطن، تصبح المسؤولية الأخلاقية متداخلة مثل مسارات الشحن نفسها.
اليمن وأوكرانيا: توسع السوق… واتساع الأسئلة
بحلول 2016 كانت ريغولس قد توسعت وعدد موظفيها ازداد وإيراداتها قفزت، وفق ما نُقل عن سوميريندايك. لاحقًا دخلت في صفقات مرتبطة بالحرب في اليمن عبر وساطة مع وزارة الدفاع السعودية، في وقت كانت منظمات دولية تتحدث عن كلفة إنسانية فادحة. سوميريندايك أصر على أنه يعمل ضمن ما تسمح به الحكومة الأميركية وبالتراخيص المطلوبة.
ثم جاء التحول الأكبر في فبراير 2022 مع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. احتاجت كييف كميات هائلة من الذخيرة والأسلحة. ما تملكه ريغولس تحديدًا هو معرفة “كيف” تُستخرج تلك الذخيرة من مخازن أوروبا الشرقية وكيف تتحرك عبر الجو والبر والبحر. يقول سوميريندايك إن اتصالات عاجلة بدأت تصل خلال ساعات، وإنه وجد نفسه على مدارج ليلية يراقب تحميل شحنات ضخمة إلى طائرات أوكرانية.
لكن الحرب كشفت أزمة جديدة: المخزونات السوفييتية ليست بلا نهاية. الطلب على قذائف المدفعية—خصوصًا عيار 155 ملم—انفجر، والأسعار ارتفعت، وبدأ العالم يكتشف أن “القدرة الصناعية” هي جزء من نتيجة المعركة، لا مجرد خلفية لها.
الرهان البوسني: من وسيط إلى مالك قدرة إنتاج
في هذا السياق تظهر صفقة البوسنة بمعناها الحقيقي. ريغولس لم تعد تكتفي بدور الوسيط الذي يجد ويشتري ويشحن؛ فقد احتاجت إلى الإنتاج نفسه. ومن هنا كانت حصص Sitko في Pretis وBinas: محاولة لإحياء خطوط قديمة، وضخ استثمارات لتسريع تصنيع قذائف يحتاجها سوق الحرب الحديثة.
لكن الرهان لم يكن خاليًا من التصدعات. ظهرت لاحقًا خلافات مع وكالة أوكرانية مرتبطة بعقد ضخم للذخيرة، وتبادل للاتهامات: الطرف الأوكراني تحدث عن دفعات مقدمة لم تتحول إلى تسليمات بالسرعة المطلوبة، وريغولس ردّت بأن شروط الدفع لم تُستكمل وأن ذلك سبب التعطيل. انتقلت القضية إلى التحكيم الدولي في لندن، بينما على الأرض كانت مصانع البوسنة تواجه مشاكل إدارة ورقابة وشفافية وتباطؤ تسليمات.
عامل السياسة الأميركية: حين قد تُطفئ الانتخابات سوقًا بالكامل
وسط كل ذلك، ظهر متغير لا يتحكم فيه المقاولون ولا المصانع: السياسة في واشنطن. فمع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة وتكراره وعود تقليص دعم أوكرانيا والسعي لإنهاء الحرب بسرعة، صار احتمال “انحسار الطلب” قائمًا—ولو جزئيًا—بقرار سياسي. بالنسبة لسوميريندايك، هذا يعني أن التوسع الذي بُني على طلب الحرب قد يصبح رهينة تحوّل مفاجئ في الاستراتيجية الأميركية.
ومع ذلك، يطرح منطقًا آخر: حتى لو توقفت المعارك غدًا، ستحتاج الدول سنوات لإعادة ملء مخزوناتها بعد الاستهلاك الهائل. أي أن “سوق الذخيرة” قد يستمر مدفوعًا بمرحلة ما بعد الحرب لا بمرحلة الحرب فقط.
اقرأ ايضَا: ألمانيا تطلب 20 مروحية إضافية من طراز Airbus H145M لتعزيز قواتها الخاصة
“يونيون” في تكساس: محاولة لصناعة مستقبل الذخيرة
بالتوازي مع رهانه البوسني، ساهم سوميريندايك في إطلاق مشروع تصنيع جديد خارج دالاس يستهدف تحديث إنتاج قذائف 155 ملم عبر تقنيات تصنيع مؤتمتة مستوحاة من صناعات السيارات والتكنولوجيا. الفكرة هنا: نقل إنتاج الذخيرة من خطوط قديمة إلى نماذج أسرع وأكثر قابلية للتوسع، خصوصًا مع دخول وادي السيليكون على خط الدفاع والطائرات المسيّرة والخوارزميات. بهذا المعنى، لا يرى الرجل نفسه مجرد تاجر شحنات، بل لاعبًا يريد إعادة تعريف “صناعة الحرب” نفسها.
حربٌ تُدار من الخلف… والمنتج يبقى “سطرًا في جدول”
القصة تكشف عن حقيقة ثقيلة: الحروب الحديثة لا تُحسم فقط على الجبهات، بل في المصانع والمرافئ وسلاسل التوريد وشبكات التعاقد. ويل سوميريندايك—بحسب ما ورد في النص—يمثل نموذج “رائد الحرب اللوجستي” الذي يتعامل مع الذخيرة كسلعة: تُموَّل، تُخزَّن، تُنقل، وتُسعَّر. تتغير الجغرافيا والخصوم، لكن القوائم تبقى قوائم، والمنتجات تبقى “بنودًا” قابلة للشراء والبيع.
في النهاية، هذا النموذج يثير سؤالًا أكبر من اسم شركة أو صفقة أسهم: إذا كانت الحروب تُدار عبر قنوات خاصة وسلاسل توريد مُخصخصة ووسطاء متعددي الطبقات، فمن يملك قرار الحرب فعلًا؟ ومن يتحمل كلفتها الأخلاقية عندما تتحول القذيفة—كما يقول المنطق البارد للسوق—إلى “مجرد SKU”؟



