فايننشال تايمز: عودة عمالقة النفط إلى ليبيا مع إطلاق أول مزاد استكشاف منذ 18 عامًا

تشهد ليبيا عودة لافتة لكبرى شركات الطاقة العالمية، مع إعلان الحكومة الليبية في طرابلس إطلاق أول جولة مزايدة للتنقيب عن النفط والغاز منذ نحو 18 عامًا، في خطوة تُعد تحولًا مهمًا لقطاع الطاقة في بلد يملك أحد أكبر الاحتياطيات في أفريقيا، لكنه عانى طويلًا من الاضطرابات السياسية والأمنية منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011. وتأتي هذه العودة في وقت تبحث فيه شركات النفط العالمية عن تعزيز احتياطياتها، وسط توقعات باستمرار الطلب على الخام لفترة أطول من المتوقع، بسبب بطء التحول العالمي إلى الطاقة النظيفة.
مزاد تاريخي بعد سنوات من التجميد
تستعد المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا لطرح حقوق استكشاف في مناطق متعددة من البلاد، ضمن أول مزاد من نوعه منذ قرابة عقدين. وقد تم تأهيل شركات عالمية كبرى للمشاركة، من بينها شل وشيفرون وتوتال إنرجيز وإيني وريبسول، بعد أن وقعت إكسون موبيل في أغسطس الماضي اتفاقًا للتنقيب عن الغاز قبالة السواحل الليبية.
تحركات دبلوماسية في واشنطن
وفي إطار الترويج للمزاد، زار وفد من الحكومة الليبية المعترف بها دوليًا ومقرها طرابلس العاصمة الأميركية واشنطن هذا الأسبوع، سعيًا إلى حشد الدعم السياسي والاقتصادي وتشجيع الشركات الأميركية على الاستثمار في قطاع الطاقة الليبي. وأكد مسؤولون ليبيون أن بلادهم قادرة على أن تصبح موردًا مهمًا للنفط والغاز، وأنها بحاجة إلى دعم غربي للمساعدة في توحيد مؤسسات الدولة وتقليص النفوذ الروسي المتزايد في الشرق والجنوب.
اهتمام متزايد من شركات الطاقة
بدأ الزخم بالتصاعد منذ يوليو الماضي، عندما أعلنت شركتا شل وبي بي توقيع اتفاقات مع المؤسسة الوطنية للنفط لدراسة فرص الاستثمار. وقال مسؤولون في القطاع إن الشركات الكبرى اعتادت العمل في بيئات عالية المخاطر سياسيًا، وإن ليبيا تمثل حوضًا نفطيًا “مجرّبًا” بفرص واعدة.
طموحات لزيادة الإنتاج
تسعى حكومة طرابلس إلى رفع إنتاج النفط من نحو 1.4 مليون برميل يوميًا حاليًا إلى 2 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2030، من خلال تقديم اتفاقات تقاسم إنتاج بشروط أكثر جاذبية للمستثمرين. وأقر الرئيس التنفيذي لشيفرون، مايك ويرث، بأن “الشروط اليوم أكثر جاذبية مما كانت عليه تاريخيًا”.
الانقسام السياسي وتحديات الواقع
ورغم الاعتراف الدولي بحكومة طرابلس، فإن جزءًا كبيرًا من احتياطيات النفط يقع في شرق البلاد الخاضع لسيطرة المشير خليفة حفتر، المدعوم من روسيا. وحذّر مسؤولون ليبيون من أن سيطرة قوات حفتر وأبنائه على مناطق غنية بالنفط تمثل تحديًا حقيقيًا، رغم أن المجتمع الدولي يعترف بالمؤسسة الوطنية للنفط كجهة وحيدة مخولة بالإنتاج والتصدير.
ليبيا كبديل للطاقة الروسية
يرى أعضاء في الوفد الليبي أن زيادة إنتاج النفط الليبي قد توفر بديلًا جزئيًا للنفط الروسي في الأسواق العالمية، في ظل محاولات الغرب الحد من صادرات موسكو. كما شددوا على حاجة ليبيا إلى التكنولوجيا الغربية، خصوصًا الأميركية، لتطوير حقولها وتعزيز كفاءتها الإنتاجية.
تحذيرات من ترسيخ الوضع القائم
في المقابل، حذر خبراء من أن تدفق الاستثمارات قد يؤدي إلى ترسيخ موازين القوى الحالية بدل إحداث تحول حقيقي. وقال محللون إن الصفقات التي تُبرم عبر النخب السياسية قد تعزز “الوضع القائم” ما لم تترافق مع إصلاحات مؤسسية وضمانات للشفافية.
رهان على الاستقرار
تعوّل حكومة طرابلس على أن عودة شركات النفط الغربية إلى مختلف أنحاء ليبيا ستعزز الاستقرار وتمنحها نفوذًا أكبر في مواجهة الانقسام الداخلي، في وقت يبقى فيه قطاع الطاقة أحد أهم مفاتيح إنعاش الاقتصاد الليبي وإعادة دمج البلاد في أسواق الطاقة العالمية.



