رويترز: أسواق النفط تتماسك مع عودة صادرات فنزويلا ومخاوف متصاعدة من إيران
شهدت أسواق النفط العالمية حالة من التهدئة المؤقتة بعد موجة مكاسب استمرت عدة أيام، في ظل تداخل عوامل متناقضة تضغط على اتجاه الأسعار. فمن جهة، أسهمت عودة صادرات النفط الفنزويلية وارتفاع مخزونات الخام والمنتجات النفطية في الولايات المتحدة في تهدئة المخاوف بشأن شح الإمدادات. ومن جهة أخرى، تواصل التطورات السياسية والأمنية في إيران إلقاء بظلالها الثقيلة على السوق، مع تصاعد الاحتجاجات وسقوط ضحايا، ما أعاد إلى الواجهة سيناريوهات الاضطراب الجيوسياسي في واحدة من أهم الدول المنتجة داخل منظمة أوبك. تقرير رويترز يسلط الضوء على هذا التوازن الحساس في سوق الطاقة، حيث تتقاطع العوامل الأساسية مع المخاطر السياسية، في وقت يتسم فيه النظام العالمي بدرجة عالية من التعقيد وعدم اليقين.
تراجع الأسعار بعد موجة صعود متتالية
توقفت مكاسب أسعار النفط بعد أربعة أيام من الارتفاع، مع تسجيل خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط تراجعًا طفيفًا في التداولات الآسيوية. هذا الانخفاض يعكس حالة من الحذر في الأسواق، حيث بدأ المتعاملون في جني الأرباح بعد أن استوعبت الأسعار جزءًا كبيرًا من علاوة المخاطر الجيوسياسية خلال الأيام الماضية. التراجع المحدود يشير إلى أن السوق لا تزال متماسكة نسبيًا، لكنها تفتقر إلى محفز قوي يدفعها إلى مواصلة الصعود في المدى القصير، خاصة في ظل غياب أي تعطّل فعلي في تدفقات النفط العالمية حتى الآن.
فنزويلا تعود إلى السوق وتخفف ضغوط الإمدادات
شكل استئناف فنزويلا لصادرات النفط عاملًا رئيسيًا في كبح جماح الأسعار، بعدما بدأت كاراكاس في التراجع عن تخفيضات الإنتاج التي فرضتها سابقًا في ظل الحظر الأميركي. مغادرة ناقلات عملاقة محملة بملايين البراميل من الخام الفنزويلي أعطت إشارة واضحة للأسواق بأن جزءًا من الإمدادات المعطلة قد عاد إلى التداول. هذه الخطوة، المرتبطة بتفاهمات سياسية مع واشنطن، تعزز المعروض في وقت حساس، وتقلل من احتمالات حدوث نقص فوري في الإمدادات، حتى مع استمرار التوترات في مناطق أخرى.
ارتفاع المخزونات الأميركية وتأثيره على السوق
أظهرت بيانات أولية من معهد البترول الأميركي ارتفاعًا كبيرًا في مخزونات الخام والوقود في الولايات المتحدة، وهو ما زاد من الضغوط النزولية على الأسعار. الزيادة اللافتة في مخزونات البنزين ونواتج التقطير تعكس توازنًا أكثر مرونة بين العرض والطلب في أكبر دولة مستهلكة للنفط في العالم. هذه الأرقام جاءت مخالفة لبعض التوقعات، وأسهمت في تهدئة المخاوف من شح الإمدادات على المدى القريب، بانتظار البيانات الرسمية من إدارة معلومات الطاقة الأميركية لتأكيد الاتجاه.
إيران بؤرة القلق الجيوسياسي المتصاعد
في المقابل، لا تزال إيران تمثل عامل الخطر الأكبر في معادلة النفط العالمية. الاحتجاجات المتصاعدة داخل البلاد، وما رافقها من توتر سياسي وتصريحات أميركية داعمة للمحتجين، أثارت مخاوف من احتمال تعرّض الإمدادات الإيرانية لاضطرابات. ورغم أن الاحتجاجات لم تمتد حتى الآن إلى مناطق الإنتاج الرئيسية، فإن مجرد تصاعد التوتر يضيف علاوة مخاطر إلى الأسعار، في ظل حساسية السوق لأي تطور قد يؤثر على إنتاج رابع أكبر منتج داخل أوبك.
علاوة المخاطر بين الواقع والتوقعات
يرى محللون أن أسعار النفط الحالية تعكس بالفعل جزءًا كبيرًا من المخاطر الجيوسياسية، سواء المرتبطة بإيران أو بالتوترات الأخرى في مناطق مختلفة مثل البحر الأسود. ومع ذلك، فإن غياب تعطّل فعلي في تدفقات النفط يدفع الأسواق إلى حالة من الترقب بدل الاندفاع. بعض المؤسسات المالية بدأت ترفع توقعاتها للأسعار على المدى المتوسط، معتبرة أن المخاطر السياسية واللوجستية قد تكون كافية لدعم الأسعار، حتى دون حدوث انقطاعات مباشرة في الإمدادات.
سوق النفط في انتظار الإشارة الحاسمة
تعيش أسواق النفط حالة انتظار دقيقة بين عوامل التهدئة وعوامل التصعيد. عودة الإمدادات الفنزويلية وارتفاع المخزونات الأميركية يمنحان السوق متنفسًا قصير الأجل، لكن التوتر الإيراني يظل عنصرًا غير قابل للتنبؤ. هذا التوازن الهش يجعل حركة الأسعار عرضة لتقلبات سريعة مع أي تطور سياسي أو أمني جديد. وفي ظل عالم يتسم بتشابك المصالح وتعدد بؤر التوتر، يبقى النفط مرآة حساسة تعكس ليس فقط معادلات العرض والطلب، بل أيضًا طبيعة النظام الجيوسياسي العالمي المتغير.



