«طريق دونالد ترامب»… كيف تحاول كمبوديا موازنة علاقتها بين واشنطن وبكين
في خطوة لافتة تعكس تحولات دقيقة في السياسة الإقليمية، تدرس كمبوديا إطلاق اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أحد أهم طرقها السريعة. المبادرة، التي تأتي من حليف وثيق للصين، تكشف مساعي بنوم بنه لإعادة ضبط علاقاتها مع واشنطن، في عالم بات أكثر استقطاباً وتنافساً بين القوتين العظميين.
أولاً: رمزية الطرق في السياسة الكمبودية
لطالما استخدمت كمبوديا تسمية الشوارع الكبرى كرسائل سياسية. فبعد عقود من إطلاق أسماء قادة صينيين مثل ماو تسي تونغ وشي جين بينغ على شوارع رئيسية، تبرز اليوم فكرة إعادة تسمية الطريق الوطني رقم 4 – الرابط بين العاصمة بنوم بنه وميناء سيهانوكفيل – باسم دونالد ترامب، في إشارة واضحة إلى الانفتاح على واشنطن.

ثانياً: دوافع التقارب مع الولايات المتحدة
تسعى كمبوديا إلى تحسين علاقتها مع واشنطن في ظل ضغوط متزايدة، أبرزها الرسوم الجمركية الأميركية والنزاع الحدودي مع تايلاند. وترى بنوم بنه في الولايات المتحدة «ضامناً محتملاً للسيادة» في مواجهة جيران أقوى، إضافة إلى أن هذا التقارب ينسجم مع سياسة ترامب الهادفة إلى احتواء النفوذ الصيني.
ثالثاً: فرصة سياسية بعد انتقال السلطة
مثّل انتقال رئاسة الوزراء من هون سين إلى نجله هون مانيت عام 2023 نقطة تحول. فالأخير، المتخرج من أكاديمية ويست بوينت والحاصل على تعليم غربي، أبدى انفتاحاً أكبر على الغرب. وقد تُوّج ذلك برفع واشنطن حظر السلاح المفروض على كمبوديا واستئناف المناورات العسكرية المشتركة بعد توقف دام سنوات.
رابعاً: التجارة والرسوم الجمركية عامل حاسم
الولايات المتحدة تُعد أكبر سوق لصادرات كمبوديا، حيث تستحوذ على نحو 40% منها، خصوصاً في قطاعي الملابس والأحذية. تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية مرتفعة شكّلت صدمة لبنوم بنه، قبل أن تُخفّض لاحقاً، ما دفع الحكومة الكمبودية إلى تكثيف جهود التقارب مع واشنطن.

خامساً: الصين… الشريك الذي لا يمكن الاستغناء عنه
رغم هذا الانفتاح، تبقى الصين الداعم الأكبر لكمبوديا، إذ تمثل أكثر من نصف الاستثمارات الأجنبية، وأسهمت منذ التسعينات في إعادة بناء البنية التحتية من طرق ومطارات ومستشفيات. كما تهيمن الشركات الصينية على قطاعات التصدير الرئيسية، حتى تلك التي تعمل لحساب علامات تجارية أميركية.
سادساً: توازن صعب في عالم مستقطَب
يرى محللون أن كمبوديا تسير على حبل مشدود بين أكبر مستثمر أجنبي وأكبر سوق تصدير. فأي اختلال في هذا التوازن قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية وسياسية جسيمة. كما أن النفوذ الصيني العسكري والاقتصادي، بما في ذلك الجدل حول قاعدة «ريام» البحرية، يجعل أي تقارب مع واشنطن محفوفاً بالمخاطر.
خاتمة:
يعكس مشروع «طريق دونالد ترامب» أكثر من مجرد تغيير اسم شارع؛ إنه رمز لمحاولة كمبوديا إعادة التموضع في نظام دولي شديد الاستقطاب. وبينما تسعى بنوم بنه إلى فتح صفحة أكثر دفئاً مع واشنطن، تدرك في الوقت ذاته أن خسارة بكين قد تكون ثمناً باهظاً لا تستطيع تحمّله.



