الجارديان: الصمت الأوروبي أمام عدوان ترامب على فنزويلا: خطأ أخلاقي وحماقة استراتيجية
مرة جديدة، يجد الاتحاد الأوروبي ودوله الكبرى أنفسهم في موقف دفاعي محرج، بعدما عجزوا عن اتخاذ موقف واضح وصريح تجاه عمل عسكري وُصف على نطاق واسع بأنه انتهاك فاضح للقانون الدولي. الهجوم الأميركي على فنزويلا، الهادف إلى تغيير النظام بالقوة، لم يُقابل بإدانة أوروبية حاسمة، بل بسلسلة من التصريحات الرمادية التي حاولت الجمع بين رفض نظام نيكولاس مادورو والتغاضي عن الوسيلة المستخدمة لإسقاطه. هذا التردد لا يأتي من فراغ، بل يعكس نمطاً متكرراً من العجز الأوروبي عن مواجهة واشنطن، سواء في غزة أو إيران أو اليوم في فنزويلا. الأخطر من ذلك أن هذا الصمت لا يقوّض فقط المبادئ التي طالما تباهت بها أوروبا، بل يضرب في الصميم مصالحها الأمنية والاستراتيجية، ويكشف عن قارة تتصرف كتوابع سياسية أكثر منها فاعلاً مستقلاً في النظام الدولي.
تكرار الصمت وتآكل المبادئ
لم تكن فنزويلا الحالة الأولى التي يتجنب فيها الأوروبيون الإدانة الواضحة. فقد سبق ذلك الصمت عن جرائم الحرب في غزة، ثم القبول الضمني بالضربات الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران. واليوم، تتكرر الصورة نفسها، مع استثناءات محدودة كإسبانيا وهولندا والنرويج، في حين عجزت غالبية العواصم الأوروبية عن التصريح بأن إسقاط ديكتاتور لا يبرر انتهاك سيادة دولة مستقلة.
مواقف مترددة وازدواجية خطاب
بعض القادة الأوروبيين، مثل الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني ورئيسة المفوضية الأوروبية، أشاروا بخجل إلى القانون الدولي، مع التأكيد على أنهم لا يأسفون لسقوط مادورو. آخرون، كالمستشار الألماني، تحدثوا عن “فحص قانونية” الهجوم، وكأن طبيعة الفعل موضع التباس. أما رئيسة الوزراء الإيطالية فذهبت أبعد من ذلك، معتبرة التدخل العسكري “دفاعاً مشروعاً عن النفس”، في تبرير يعكس انحيازاً سياسياً أكثر منه قراءة قانونية.
الخوف من غضب ترامب
أحد التفسيرات الرئيسية لهذا الغموض الأوروبي هو الخشية من رد فعل دونالد ترامب، سواء عبر تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا أو التخلي عن أوكرانيا. لكن الوقائع تشير إلى أن هذه السيناريوهات بدأت تتحقق بالفعل، بغض النظر عن المواقف الأوروبية، ما يجعل سياسة الاسترضاء بلا جدوى حقيقية.
أوكرانيا كدليل على الوهم الأوروبي
منذ وصول ترامب إلى السلطة، لم تتوقف الإشارات السلبية تجاه كييف: إهانات علنية، تعليق مساعدات، وخطط سلام صيغت عملياً وفق الشروط الروسية. ومع ذلك، استمر الأوروبيون في إقناع أنفسهم بأن بإمكانهم “احتواء” ترامب، متجاهلين حقيقة أن حساباته لا تتغير تبعاً لمواقفهم المترددة.
فنزويلا وغرينلاند: منطق مناطق النفوذ
تبرير آخر للصمت الأوروبي يرتبط بالخوف من طموحات ترامب الإقليمية، خاصة ما يتعلق بغرينلاند. فالتغاضي عن فنزويلا قد يُفهم كمحاولة لتهدئة واشنطن. لكن هذه المقاربة، بدلاً من حماية أوروبا، ترسل إشارة ضعف، وتُظهر القارة ككيان فاقد للقدرة على الدفاع عن سيادته ومبادئه.
العامل الروسي وحسابات النفط
هناك أيضاً بعد نفعي بحت: فنزويلا حليف لروسيا، وسقوط نظام مادورو قد يضعف موسكو اقتصادياً عبر زيادة إنتاج النفط. ورغم أن هذا التطور قد يبدو مفيداً لأوروبا على المدى القصير، إلا أن الثمن هو القبول بسابقة خطيرة: تغيير الأنظمة بالقوة دون غطاء قانوني.
ضربة لمفهوم الأمن الأوروبي
حتى لو كان سقوط مادورو خبراً ساراً لبعض العواصم، فإن الطريقة التي حدث بها تشكل انتهاكاً لمبادئ السيادة والاستقلال التي يقوم عليها الأمن الأوروبي نفسه. السماح بمنطق “مناطق النفوذ” و”شريعة الغاب” يخدم بالدرجة الأولى قوى استبدادية مثل روسيا، التي لطالما حلمت بأوروبا ضعيفة ومقسمة.



